
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت اليوم أحد أخطر الأدوات التي تُعيد تشكيل عقول الأجيال، وتغيّر طريقة تفكيرهم، وتعيد صياغة مفاهيمهم عن النجاح والقيمة والهوية.
إنها لا تنقل الأفكار فحسب، بل تصنع القناعات، وتحدد القدوات، وتؤثر في السلوك، حتى أصبح كثير من أبنائنا يرون العالم من خلال ما تفرضه عليهم خوارزميات المنصات، لا من خلال القيم أو العلم أو الخبرة.
كل يوم أرى أطفالًا يقلّدون التفاهة، ومراهقين يحلمون بأن يصبحوا “ترندًا” بدلًا من أن يصبحوا علماء أو مبدعين، وفتياتٍ يعتقدن أن قيمتهن تقاس بالمظهر وعدد الإعجابات، لا بالأخلاق والعلم والإنجاز.
وتنتشر ثقافة الثراء السريع تحت عناوين براقة مثل: “كيف تصبح مليونيرًا في أيام؟” و**“اصنع ثروتك في دقائق!”**، حتى بات يُغرس في عقول الشباب أن الاجتهاد والعلم لم يعودا طريق النجاح، وأن الشهرة السريعة هي الطريق الأقصر إلى المال والمكانة.
هذه ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل حربٌ ناعمة تستهدف الهوية، وتُعيد تشكيل منظومة القيم، وتقتل روح الاجتهاد، وتُفرغ النجاح من معناه الحقيقي.
إنه السم المدسوس في العسل… يُقدَّم في صورة ترفيه، بينما يحمل في داخله رسائل تغيّر العقول وتعيد برمجة الأولويات.
لذلك أقولها بصوتٍ عالٍ:
نحن لا نحتاج إلى مزيد من التفاهة، بل إلى إعلامٍ مسؤول، وبرامج اجتماعية هادفة، ومبادرات شبابية تصنع الوعي، وتعيد تقديم القدوة الحقيقية لأبنائنا.
وأوجّه رسالتي إلى كل مسؤول، وكل أبٍ وأم، وكل معلم، وكل إعلامي، وكل مثقف:
– كفى تمجيدًا للتفاه
• كفى أن نربّي أبناءنا على أن المال أهم من الكرامة.
. كفى تمجيدًا للتفاهة والسخرية من الأخلاق.
. كفى تبريرًا للابتذال والانحلال باسم الحرية.
. كفى صناعة نجومٍ لا يقدمون إلا الفراغ، بينما يُهمَّش أصحاب العلم والفكر والإبداع.
ولنبدأ من اليوم:
– نعيد الاعتبار للقيم والمبادئ.
– نُعلّم أبناءنا أن الثروة الحقيقية تبدأ بالعلم والعمل والأخلاق.
– نُرسّخ فيهم أن الشهرة ليست دائمًا شرفًا، وأن كثرة المتابعين ليست معيارًا للنجاح.
– نغرس فيهم أن الجمال الحقيقي جمال الفكر والروح قبل المظهر.
– نؤكد لهم أن النجاح لا يُبنى على التفاهة، بل على الاجتهاد والإبداع والعطاء.
– ونُعلّمهم أن الاحترام وضبط النفس أقوى من السبّ والعنف والصخب.
إن وعي هذا الجيل أمانة في أعناقنا جميعًا، وحمايته مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.
فإما أن نصنع جيلًا يقود المستقبل بعلمه وقيمه، أو نترك غيرنا يصنعه لنا بما يخدم مصالحه و يدمر ابناؤنا .





