مقالات الرأى

د. علي المبروك أبو قرين يكتب: العمر الصحي

مقالات للرأي

ليس الهدف أن نؤخر الضعف، ولا أن نطيل الزمن، إنما أن نُعيد كتابة الحكاية كلها ، حكاية الإنسان مع صحته، بحيث لا تكون المراحل محطات تدهور إنما تجليات متجددة للقوة والتوازن والمعنى. فالحياة في جوهرها ليست خطًا ينحدر مع الزمن، هي طاقة تتشكل وفق ما نزرعه فيها من وعي ونمط ورعاية وعدالة. إن المفهوم التقليدي الذي يقسم العمر إلى مراحل تُنسب إليها أوصاف ضمنية من القوة أو الضعف، والصحة أو المرض، لم يعد كافيًا لفهم الإنسان، ربما أسهم دون قصد في ترسيخ توقعات سلبية جعلت من التراجع أمرًا مُسلما به. أما الرؤية التي ننادي بها اليوم فهي رؤية تتجاوز هذه التصنيفات، وتُعيد الاعتبار لكل لحظة من الحياة باعتبارها فرصة كاملة للصحة، وليست بداية لانحدار مؤجل. وهنا يظهر مفهوم العمر الصحي كفلسفة جامعة، لا تختزل الإنسان في عمره الزمني، بل ترى في كل مرحلة إمكانًا كاملاً للحياة الجيدة. العمر الصحي ليس رقمًا يُحسب، هو جودة تُبنى وليس امتدادًا في السنوات، بل امتلاءً في المعنى، وتوازنًا بين الجسد والنفس والعقل، وانسجامًا مع البيئة والمجتمع. العمر الصحي يبدأ قبل أن يُرى الإنسان، في بيئة آمنة وغذاء نقي وأمٍ تُحاط بالرعاية والمعرفة، ثم يتشكل في البدايات الأولى عبر نموٍ متوازن وتغذية سليمة وحماية من الأخطار، ثم يزدهر مع الوعي حين يتعلم الإنسان كيف يعتني بجسده، ويُنصت لإشاراته، ويُدير طاقاته، ويوازن بين العمل والراحة، وبين الطموح والسكينة. وفي هذا المسار لا تكون أنماط الحياة خيارًا ثانويًا، هي العمود الفقري للصحة، الغذاء الذي نبنيه لا الذي يستهلكنا، والحركة التي تحرّر الجسد لا تُرهقه، والنوم الذي يُرمم الحياة لا يُهمل، والعلاقات التي تُغذي الروح لا تستنزفها، والوعي الذي يُرشد القرار لا يُضلله. إن معظم ما نراه لاحقًا من اختلالات ليس نتاج لحظة هو حصيلة مسار يمكن توجيهه وتصحيحه وإثراؤه منذ البداية. فالصحة ليست استجابة للمرض، بل استباقٌ له، وليست علاجًا لما حدث، هي بناءٌ لما يجب أن يكون. وفي هذه الرؤية تتكامل الرعاية الصحية مع الرعاية الاجتماعية والنفسية، فلا يُنظر إلى الإنسان كجسد منفصل، إنما ككيان متكامل، يعيش ضمن سياق ويتأثر بكل ما حوله. هنا تصبح المدرسة شريكا في الصحة، والبيت حاضنة لها، والمدينة بيئة داعمة، والإعلام مرشدًا، والسياسات حامية. أما النظام الصحي، فلا يعود مكانًا يُقصد عند الحاجة، فهو رفيقًا دائمًا، يُصاحب الإنسان في كل لحظة، يُعلمه قبل أن يُعالجه، يُنذره قبل أن يُنقذه، ويُعزز فيه القدرة قبل أن يتعامل مع العجز. نظامٌ صحي استباقي وتنبؤي ووقائي، يقرأ المؤشرات قبل أن تتحول إلى أمراض، ويُعيد التوازن قبل أن يختل. وفي هذا الإطار تتغير حتى نظرتنا لما يُسمّى أمراض العمر، فلا نراها قدرًا حتميًا، إنما نتيجة لمسارات يمكن تعديلها، وتأثيرات يمكن تقليلها، وجودة حياة يمكن الحفاظ عليها. الهدف ليس فقط تقليل المرض إنما تعظيم العافية، بحيث يعيش الإنسان حياته ممتلئًا بالقوة حاضرًا بذاته، متصالحًا مع جسده، منسجمًا مع واقعه. العمر الصحي هو أن تظل قادرًا على الحركة، وعلى الفهم، وعلى الحب وعلى العطاء وعلى الحلم. هو أن تبقى الحياة فيك نابضة، غير مؤجلة، وأن يكون لكل يوم معناه، ولكل مرحلة جمالها، دون خوف من القادم بل شغف به. وهنا لا تكون الصحة مسؤولية فرد فقط، هي عهد جماعي، تشترك فيه الدولة والمجتمع والمؤسسات، حيث تُبنى السياسات على حماية الإنسان، وتُوجه الموارد لتعزيز الوقاية، وتُضبط الأسواق لضمان سلامة الغذاء والدواء، وتُحارب كل أشكال الغش والتلوث التي تُهدد مسار الحياة. إنها دعوة لإعادة تعريف النجاح الصحي ليس بعدد المستشفيات فقط، ولكن بعدد السنوات التي يعيشها الناس بصحة، وليس بحجم الإنفاق على العلاج، بل بمدى انخفاض الحاجة إليه، وليس بقدرتنا على إنقاذ المتأخر إنما بقدرتنا على حماية المبكر. العمر الصحي هو أن نُعيد ترتيب الأولويات، وأن نضع الوقاية في المقدمة، والوعي في القلب، والإنسان في المركز. وحين نفعل ذلك لن تكون الحياة رحلة مقاومة للمرض، بل رحلة ازدهار للصحة. وهذا هو العمر الصحي، فلسفة تُنقذ المعنى قبل الجسد، وتبني الإنسان قبل أن تُعالجه، وتجعل من كل الأعمار أعمارًا كاملة وجميلة وقادرة، وتعيش في سلام مع نفسها ومع الآخرين ومع الحياة، بأملٍ لا ينقطع، وشغف لا يشيخ، طالما أن في الأفق غدًا وفي القلب حياة.أطال الله أعماركم بصحة وعافية ورفاه ..

زر الذهاب إلى الأعلى