الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب : أفكار خارج الصندوق تزيد إيرادات إعلام الخدمة العامة ! ‹‹ دراسة حالة على ماسبيرو »
مقالات للرأي

اتفقنا على أن مستقبل ماسبيرو لا يمكن أن يقوم على زيادة الإنفاق فقط ، وأن إصلاح اقتصاديات الإعلام يجب أن يصبح مكونا أساسيا من عملية التطوير، وبالتالي السؤال الأكثر أهمية هو:
من أين يمكن أن تأتي الإيرادات لمؤسسة تستهدف تقديم خدمات عامة ؟
الإجابة في بناء منظومة متكاملة من الإيرادات، بحيث لا تعتمد المؤسسة على الإعلان وحده، ولا على التمويل الحكومي وحده، وإنما تمتلك مصادر متعددة تمكنها من تمويل رسالتها والاستثمار في مستقبلها.
وهذه بعض المصادر التي أراها قابلة للدراسة ضمن مشروع ماسبيرو 2030.
1 ـ الأرشيف الإذاعي والتليفزيوني المصري أحد أهم الأصول التي يمتلكها ماسبيرو.
ويمكن رقمنة هذا الأرشيف وفهرسته واستعادة جودته، ثم وضع نظام احترافي لإدارة حقوقه، بما يحوله إلى مصدر مستدام للإيرادات.
ويمكن إعادة استخدام المادة التاريخية في الأفلام الوثائقية والبرامج والمنصات الرقمية، كما تتاح أجزاء منها للباحثين والجامعات وشركات الإنتاج، وفق ضوابط قانونية واضحة.
2 ـ بيع وإدارة حقوق المحتوى
المحتوى الذي ينتج مرة واحدة يمكن أن يحقق عائدًا أكثر من مرة وهذا ينطبق على البرامج والأفلام التسجيلية والمباريات والحفلات والمواد الإخبارية والوثائقية و المطلوب هو إنشاء إدارة محترفة للحقوق، تتعامل مع المحتوى باعتباره أصلًا اقتصاديًا قابلًا لإعادة الاستثمار.
3 ـ يمتلك ماسبيرو استديوهات ومعدات وخبرات بشرية يمكن استثمارها في إنتاج محتوى لمؤسسات وقنوات ومنصات أخرى وبدلًا من أن تظل هذه الإمكانات معطلة جزءًا من الوقت، يمكن تشغيلها وفق أسعار وخطط تجارية مدروسة.
وهنا يتحول ماسبيرو من مستهلك للموارد إلى مزود لخدمات الإنتاج الإعلامي.
4 ـ على الرغم من أن الإعلان أحد مصادر التمويل الرئيسية، لكن قواعد اللعبة بشأنه تغيرت.
المنافسة لم تعد مع القنوات المصرية وحدها، وإنما مع المنصات الرقمية التي تستطيع تقديم بيانات دقيقة عن سلوك المستخدمين لذلك يحتاج ماسبيرو إلى تطوير قدراته في قياس رغبات الجمهور وتحليل البيانات وتقديم حلول إعلانية أكثر دقة.
5 ـ يمكن أن يكون جزء من المحتوى مجانيًا لجذب الجمهور، بينما تقدم مواد متخصصة عبر اشتراكات شهرية أو سنوية.
ومن الممكن أن تشمل هذه الخدمات مكتبة رقمية، ومحتوى وثائقيًا، ومواد تاريخية، وبرامج متخصصة، ومحتوى موجهًا للمصريين والعرب في الخارج.
6 ـ د
يعيش الملايين من المصريين خارج الوطن ، وهم جمهور مهم اقتصاديًا وإعلاميًا ويمكن تطوير محتوى رقمي مخصص للمصريين في المهجر ، يجمع بين الأخبار والخدمات والثقافة والترفيه والبرامج التي تربطهم بمصر ويمكن أن يكون هذا المحتوى جزءًا من نموذج اشتراك أو إعلانات موجهة أو شراكات تجارية.
7 ـ هناك خدمات تسجيل وتصوير ومونتاج وإضاءة وصوت وبث خارجي واستديوهات وتجهيزات فنية في ماسبيرو ويمكن له أن يقدم هذه الخدمات للسوق المصرية والعربية، بما يحقق عائدًا من إمكاناته الموجودة بالفعل.
8 ـ يمتلك ماسبيرو خبرات تراكمية في التدريب والتعليم الإعلامي يمكن تحويلها إلى برامج تدريب احترافية في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإخراج والتصوير والمونتاج والإنتاج الإخباري والبث الرقمي.
ويمكن تقديم برامج تدريبية للشباب والجامعات والمؤسسات الإعلامية داخل مصر وخارجها.
9 ـ المحتوى التعليمي والثقافي
هو مكون من اقتصاد المحتوى.
فإنتاج سلاسل تعليمية ووثائقية وثقافية عالية الجودة يمكن إعادة توزيعها عبر المنصات الرقمية، وبيع حقوقها، والدخول في شراكات مع المؤسسات التعليمية والثقافية.
10 ـ ليس مطلوبًا أن يمول ماسبيرو كل مشروعاته منفردًا بل يمكن دراسة شراكات مع القطاع الخاص في مشروعات محددة، مع الاحتفاظ بالملكية والرقابة على المحتوى وفق الأطر القانونية.
المهم أن تكون الشراكة مبنية على مشروع اقتصادي واضح، وليس مجرد تمويل مؤقت.
11 ـ العالم العربي سوق واسعة والمنافسة فيها شديدة.
لكن مصر ما زالت تمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرة الإعلامية والثقافية والفنية يمكن تطويره في صورة محتوى عربي موجه للأسواق المختلفة.
وهنا يمكن لماسبيرو أن يتحول من مؤسسة تخاطب الجمهور المصري فقط إلى منتج للمحتوى العربي.
12 ـ ماسبيرو في 2030 يجب أن يطور منصته الرقمية، لكي تجمع الأخبار والبرامج والأرشيف والمحتوى الوثائقي والثقافي والترفيهي.
وتستطيع الجمع بين الإعلانات والاشتراكات وبيع المحتوى والحقوق والخدمات.
وهكذا يصبح الجمهور نفسه جزءًا من الاقتصاد الجديد للمؤسسة.
الإعلام العام ليس شركة تجارية عادية.هناك برامج وأخبار وخدمات لا يمكن قياس قيمتها فقط بحجم الإيرادات التي تحققها و له وظيفة وطنية ومجتمعية، ولذلك فإن بعض المحتوى يجب أن يستمر حتى لو لم يكن مربحًا بصورة مباشرة.
لكن الفارق هو أن نعرف تكلفة هذا المحتوى وقيمته المجتمعية، بدلًا من أن تعمل المؤسسة دون حسابات دقيقة.
وهنا يظهر المفهوم الصحيح للاستدامة:
ليس المطلوب أن يربح كل برنامج، وإنما أن تكون المنظومة كلها قادرة على الاستمرار.
التحول الحقيقي الذي يحتاجه ماسبيرو هو من الدعم إلى الاستثمار بمعنى تغيير مفهوم
التمويل العام، و يوجه بدرجة أكبر إلى الوظيفة العامة التي لا يستطيع السوق تمويلها، بينما تستطيع المؤسسة أن تولد إيرادات من الأنشطة التي يمكن أن تحقق عائدًا اقتصاديًا.
وبذلك يصبح التمويل العام استثمارًا في خدمة عامة، وليس مجرد تغطية دائمة لعجز في التشغيل
إذن المعادلة الجديدة لماسبيرو
يمكن اختصارها في خمس كلمات:
(محتوى و جمهور و تكنولوجيا و إدارة و اقتصاد.)
المحتوى يجذب الجمهور، والتكنولوجيا توصله إليه، والإدارة تنظم عملية الإنتاج، والاقتصاد يضمن الاستدامة.
وإذا غاب أي عنصر من هذه العناصر ، اختلت المعادلة.
ماسبيرو يمتلك الكثير من عناصر القوة، لكنه يحتاج إلى إعادة ترتيبها في نموذج جديد.
وهنا تحديدًا تبدأ رحلة ماسبيرو إلى 2030 وما بعده !










