مقالات الرأى

لواء/ يحيى عبد الكريم يكتب : مشاركة المرأة في الاقتصاد والسياسة بين الطموح والتحديات

مقالات للرأي

 

في مصر، كما في كثير من الدول النامية، لا تزال مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية قضية محورية للنهوض بالمجتمع وتحقيق التنمية المستدامة، فتمكين نصف المجتمع ليس خيارًا فقط، بل ضرورة استراتيجية تؤثر على معدلات النمو الاقتصادي واستقرار الدولة.

ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها المرأة خلال السنوات الأخيرة، ما زالت هناك تحديات ملموسة تتعلق بالواقع الاجتماعي، التقاليد الثقافية، وتطبيقات الدين، مما يجعل المساواة الاقتصادية والسياسية هدفًا يتطلب جهودًا متواصلة.

تشير أحدث الإحصاءات إلى أن مشاركة المرأة في القوى العاملة لا تزال منخفضة نسبيًا، إذ بلغت حوالي 21,3% من إجمالي القوى العاملة في 2025، ويبلغ عدد النساء المشاركات في سوق العمل نحو 7,79 مليون امرأة، وهو رقم يعكس زيادة ملحوظة مقارنة بالعقود السابقة، لكنه لا يزال أقل بكثير من طموحات الدولة وخطط التنمية.

تعود الأسباب إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، فالكثير من النساء يتوقفن عن العمل بسبب الالتزامات الأسرية التقليدية، مثل رعاية الأطفال والأهل، بينما تُظهر بعض الدراسات أن المجتمع لا يزال يميل إلى اعتبار العمل خارج المنزل أولوية للرجال أكثر من النساء.

كما أن النقص في البنية التحتية الداعمة، مثل الحضانات وبيئات العمل المرنة، يزيد من صعوبة المشاركة الفعلية للنساء في سوق العمل.

رغم هذه المعوقات، تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل يمكن أن تعزز الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، فقد قدر البنك الدولي أن استغلال كامل طاقات النساء يمكن أن يرفع الناتج الاقتصادي بنسبة تصل إلى 56% تقريبًا، مما يوضح الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المرأة في تعزيز النمو الاقتصادي الوطني.

كما أن مشاركة المرأة الاقتصادية تؤثر بشكل مباشر على الصادرات الوطنية والقدرة التنافسية للاقتصاد، فالأبحاث المحلية أظهرت أن رفع مشاركة النساء في قطاعات الإنتاج والخدمات يمكن أن يزيد من حجم الصادرات بنسبة تصل إلى 3.41%، ويعزز الابتكار والتنوع في سوق العمل، وهو ما يترجم إلى فوائد اجتماعية واقتصادية ملموسة.

وعلى صعيد السياسة، شهدت مصر تقدمًا ملحوظًا في تمثيل المرأة خلال السنوات الأخيرة، فقد ارتفعت نسبة النساء في مجلس النواب إلى 28%، وهو رقم تاريخي يمثل زيادة ملموسة مقارنة بالعقود الماضية، وفي مجلس الشيوخ، وصلت نسبة التمثيل النسائي إلى نحو 10,7% من الأعضاء بعد التعيينات الرئاسية الأخيرة، وهو مؤشر على رغبة الدولة في تعزيز حضور المرأة في صنع القرار.

ولم تقتصر الإنجازات على البرلمانات، بل امتدت إلى المناصب القيادية في الحكومة، بما في ذلك وزيرات ونواب وزراء ونواب محافظين، هذا التوسع في التمثيل يعكس إدراك الدولة لأهمية إشراك المرأة في عملية صنع القرار على جميع المستويات، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن التمثيل الرقمي وحده لا يكفي.

فالتركيز يجب أن يكون أيضًا على تأهيل المرأة لقيادة السياسات الفعلية، وصقل قدراتها القيادية عبر برامج تدريبية مستمرة، لضمان تأثير حقيقي في صنع القرار الوطني.

فيما يتعلق بالبعد الديني، الإسلام لم يمنع مشاركة المرأة في العمل أو السياسة، بل يشير كثير من الفقهاء إلى أن للمرأة الحق الكامل في الإسهام في المجتمع مع الحفاظ على كرامتها ودورها الأسري.

ومع ذلك، تختلف التفسيرات حسب البيئة الاجتماعية، حيث يميل بعض المجتمعات إلى إعطاء الأولوية للرجل في المناصب العامة، ما يجعل الوعي الديني والثقافي جزءًا من الحوار حول تمكين المرأة.

من ناحية أخرى، تظهر الدراسات المجتمعية أن قبول المشاركة الاقتصادية والسياسية للمرأة يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمستوى التعليم والتعرض للثقافة الحديثة، فكلما ارتفع مستوى التعليم وتوسع الانفتاح الاجتماعي، زادت فرص مشاركة المرأة بشكل فعال في الحياة العامة.

ولا يمكن فصل العادات والتقاليد عن مسار تمكين المرأة، فبينما تشجع المجتمعات الحضرية مشاركة المرأة، ما تزال بعض الأسر الريفية تُفضل للمرأة أن تكون ربة منزل أولًا، مما يضع قيودًا ثقافية على طموحاتها الاقتصادية والسياسية.

هذه الفجوة بين الريف والحضر تؤكد أن التغيير يحتاج إلى تربية اجتماعية طويلة المدى، وإعادة صياغة النظرة التقليدية لدور المرأة في المجتمع.

وقد أدركت الدولة أهمية تمكين المرأة، فأطلقت استراتيجية تمكين المرأة 2030 التي تهدف إلى رفع نسبة مشاركتها الاقتصادية إلى 35% في إطار رؤية شاملة تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة الكاملة والفاعلة.

وقد انعكس هذا التوجه في تعزيز حضور المرأة في سوق العمل، وتوسيع دورها في مواقع صنع القرار، وزيادة تمثيلها في المجالس النيابية والمؤسسات العامة.

ورغم ما تحقق من تقدم ملموس على المستويين السياسي والاقتصادي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار العمل على إزالة التحديات الهيكلية والثقافية، ودعم السياسات الداعمة لتكافؤ الفرص، بما يضمن استدامة هذا التقدم وتحويل تمكين المرأة من إنجازات رقمية إلى واقع مؤثر في مسار التنمية الشاملة وبناء مستقبل أكثر عدالة وتوازنًا للمجتمع بأكمله.

والله من وراء القصد،،،

عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،

زر الذهاب إلى الأعلى