مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: لبنان مستشفى الشرق

مقالات للرأي

حين يُذكر لبنان لا يُستدعى فقط كجغرافيا صغيرة على شاطئ المتوسط إنما كفكرةٍ متجذرة في عمق الحضارة، وكجسرٍ بين الشرق والغرب، وكذاكرة حيّة صاغها الإنسان بعقله قبل أن يرسمها بحدوده. وفي قلب هذه الفكرة، كان الطبّ في لبنان ليس مجرد مهنة أو منظومة خدمات إنما رسالةً إنسانية حملت ملامح هذا البلد تعددية وانفتاح وصمود وابتكار لا ينطفئ. ومنذ الأزمنة الأولى حين كانت بلاد فينيقيا تبحر بالمعرفة كما أبحرت بالتجارة، تشكل وعي مبكر بأن الإنسان هو جوهر الحضارة، وأن صحته شرطٌ لدوام الوجود. ومع تعاقب العصور ظل هذا الخيط ممتدًا من مدارس الطب الأولى إلى المؤسسات الحديثة التي صاغت نموذجًا لبنانيًا فريدًا، يمزج بين العلم الصارم واللمسة الإنسانية العميقة. وفي العصر الحديث لم يكن لبنان مجرد متلقي للمعرفة الطبية إنما صانعًا لها ومصدّرًا لخبراتها. نشأت فيه صروحٌ علمية وطبية أصبحت منارات في المنطقة، تخرج منها أطباء حملوا مشاعل العلم إلى العالم، فكان الطبيب اللبناني سفيرًا للمعرفة لا يحده وطن ولا تقيده حدود. وفي المهجر لمع اسم لبنان في كبريات الجامعات والمستشفيات، وفي مراكز الأبحاث الدقيقة حيث ساهم أبناؤه في تطوير الجراحة، والطب الباطني والأورام والطب النفسي والرعاية الحرجة حتى صار الحضور اللبناني علامة جودة وثقة. ولأن الأوطان العظيمة تُقاس بما تُقدم، فقد استطاع لبنان رغم صِغَر مساحته وكثرة تحدياته أن يبني منظومة صحية تعد من الأكثر حيوية وتأثيرًا في محيطها. مستشفياته فضاءات حياة نابضة تستقبل الإنسان بكرامته قبل جسده، وتعامله كقيمة وليس كحالة. هكذا أصبح مستشفى الشرق ليس توصيفًا جغرافيًا إنما مقامًا رمزيًا وعنوانًا للتقدّم ومختبرًا للتميز، حيث يلتقي العلم بالرحمة والتقنية بالضمير. وفي قلب هذه المسيرة، برزت أسماء لبنانية حملت الطب إلى العالمية، ليس باعتباره إنجازًا فرديًا إنما كامتداد لثقافة كاملة ترى في المعرفة واجبًا أخلاقيًا. هؤلاء لم يكتفوا بالنجاح إنهم أعادوا تعريفه فجعلوا من الطبيب قائدًا فكريًا، ومن المؤسسة الصحية مركزًا للإبداع، ومن الممارسة الطبية فعلًا حضاريًا يتجاوز حدود العيادة وغرف العمليات. لكن عظمة التجربة اللبنانية لا تكمن فقط في أفرادها إنما في قدرتها على بناء شبكات تأثيرٍ تتجاوز الذات. ومن هنا يبرز الدور التاريخي الذي احتضنته بيروت حين أصبحت مقرًا لاتحاد المستشفيات العربية ذلك الكيان الذي وُلد منذ ربع قرن كحلم عربيّ جامع، ثم تحول إلى مظلة مرجعية تقود مسار التطوير الصحي في العالم العربي. في هذا الفضاء لم يكن لبنان مجرد مضيف إنه كان عقلًا مُدبّرًا وروحًا مُحرّكة ومصدرًا للكفاءات التي أدارت ووجّهت وابتكرت. لقد شكل اتحاد المستشفيات العربية منصة للتكامل، وجسرًا لنقل الخبرات، ومختبرًا لإعادة صياغة السياسات الصحية العربية على أسس الجودة والاعتماد والتدريب المستمر. وكان للخبرات اللبنانية دور محوريّ في صياغة هذا المسار؛ إذ أسهمت في وضع المعايير، وتطوير القيادات، وتعزيز ثقافة الجودة، حتى أصبح الاتحاد بيتًا جامعًا، ومرجعية يُستند إليها في أزمنة التحدي والتحول. وهكذا حين ننظر إلى لبنان من زاوية الصحة والطب فإننا لا نرى مجرد نظامٍ صحي إنما نرى قصة أمة صغيرةٍ كتبت اسمها بحروف كبيرة في سجل الإنسانية. نرى بلدًا أثبت أن القيمة ليست في الحجم إنما في الأثر؛ وأن الطب حين يُمارس كفلسفة للحياة، يصبح أداة بناءٍ حضاري وليس مجرد وسيلة علاج. لبنان حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وحيث تتحول المعرفة إلى رسالة، وحيث يصبح الطبيب شاهدًا على أن الإنسان مهما اشتدت به الأزمات قادر على أن يصنع من الألم أملًا، ومن التحدي طريقًا إلى الريادة. وفي ظلال هذا المعنى يبقى اتحاد المستشفيات العربية سقفًا عربيًا جامعًا، ومرجعًا مهنيًا وأخلاقيًا، يواصل بقيادة وخبرات لبنانية وعربية حمل هذه الرسالة، ليظل الطب في عالمنا العربي فعل نهضة وليس مجرد استجابة للألم.

زر الذهاب إلى الأعلى