مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب : معركة الوعي وهوية الأمة في عصر التحول الرقمي !

مقالات للرأي

لم تعد معركة العصر تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت معركة وعي وهوية في المقام الأول. ففي زمن التدفق الهائل للمعلومات، وهيمنة المنصات الرقمية، وتراجع الحدود بين الحقيقة والتضليل، يقف الإعلام في قلب الصراع على تشكيل العقول، بينما تمثل الثقافة خط الدفاع الأول عن هوية الأمة وذاكرتها الجمعية. هنا، لا يكون الإعلام مجرد ناقل للأحداث، ولا الثقافة ترفًا فكريًا معزولًا، بل يتحولان معًا إلى ساحة اشتباك رمزي تُرسم فيها ملامح المستقبل، ويُعاد من خلالها تعريف الانتماء، والوعي، ومعنى الوطن.
إن العلاقة بين الثقافة والإعلام لم تعد علاقة تكامل هادئ، بل صارت علاقة مصيرية، تتحدد من خلالها قدرة المجتمعات على حماية ذاتها من التفكك، ومواجهة الغزو الثقافي الناعم، وصناعة خطاب وطني قادر على المنافسة .
إن إعلام بلا ثقافة يتحول إلى أداة تسطيح وتضليل، وثقافة بلا إعلام تبقى حبيسة النخب، عاجزة عن التأثير في المجال العام ومن هذا التداخل الحاسم، تنطلق معركة الوعي التي لا تقل خطورة عن أي صراع عسكري أو اقتصادي، لأنها تستهدف الإنسان في وعيه، وقيمه، وانتمائه
(1)
تقوم العلاقة بين الثقافة والإعلام على تفاعل عضوي متبادل لا يمكن فصله أساسه الفكر التنويري حيث تشكل الثقافة، بوصفها منظومة القيم والعادات والتقاليد والمعارف والفنون، جوهر الرسالة الإعلامية، وتمنحها معناها وسياقها الأخلاقي والانساني.
ومن دون هذا العمق الثقافي، يفقد الإعلام بوصلته ويتحول إلى مجرد محتوى عابر تحكمه الإثارة والسرعة.
في المقابل، يُعد الإعلام الأداة الأوسع تأثيرًا في نشر الثقافة وتداولها، إذ يخرج بها من نطاق النخب والمؤسسات المغلقة إلى الفضاء العام، ويجعلها جزءًا من الحياة اليومية للناس.
إن الإعلام لا ينقل الثقافة فقط، بل يعيد إنتاجها، ويؤثر في أولوياتها، ويحدد ما يُسلّط عليه الضوء وما يُترك في الهامش، وهو ما يمنحه قوة استثنائية في تشكيل وعي المجمع.

(2)

يلتقي الإعلام والثقافة عند هدف استراتيجي يتمثل في بناء وعي الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية. فالهوية ليست معطى ثابتًا، بل بناء متجدد يحتاج إلى شخصية جامعة، ورموز مشتركة، وخطاب قادر على مخاطبة الحاضر دون قطع مع الجذور.
وهنا يبرز دور الإعلام الثقافي في ترسيخ الانتماء، وتعميق الشعور بالمواطنة، وربط الأفراد بتاريخهم وقيمهم في عالم سريع التحول.
كما يشكل هذا التكامل ركيزة أساسية في دعم مسار التنمية الوطنية، لأن التنمية الحقيقية لا تقوم على المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل على إنسان واعٍ، مدرك لحقوقه وواجباته، وقادر على المشاركة في الشأن العام. وبدون إعلام يحمل مضمونًا ثقافيًا مسؤولًا، تتحول التنمية إلى مشروع تقني بلا روح.

(3)

يضطلع الإعلام بأدوار متعددة في خدمة الثقافة، في مقدمتها دور النشر والتوثيق وتعد وسائل الإعلام الذاكرة الحية للمجتمع، تحفظ منجزاته الفكرية والفنية، وتوثق تحولات الذوق العام، وتسجل مسارات الإبداع عبر الأجيال وهي بذلك تؤدي وظيفة تاريخية لا تقل أهمية عن دور المؤسسات الأكاديمية.
كما يقوم الإعلام بدور محوري في التنشئة والتثقيف، عبر نقل التراث الاجتماعي والقيمي من جيل إلى آخر، وتقديم المعرفة بأساليب مبسطة وجذابة وبالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع، يشكل الإعلام المصدر الأساسي للمعرفة العامة، ما يضاعف مسؤوليته في تقديم محتوى يوازن بين الجاذبية والعمق.
ومن الأدوار الجوهرية أيضًا دور الحماية الثقافية، حيث يسهم الإعلام في مواجهة أنماط الثقافة الاستهلاكية والدخيلة التي تهدد الخصوصية الثقافية، من خلال تعزيز الثقة بالذات الحضارية، وتقديم نماذج محلية ملهمة، قادرة على المنافسة. ولا يقل عن ذلك أهمية دور التسويق الثقافي، إذ إن المنتج الثقافي يحتاج إلى أدوات ترويج حديثة تضمن انتشاره، وهنا يصبح الإعلام شريكًا في صناعة القيمة الثقافية، لا مجرد منصة عرض.
(4)

كما يؤثر الإعلام في الثقافة، التي بدورها تترك أثرًا مباشرًا في الإعلام من حيث المحتوى والشكل. فتنوع الخلفيات الثقافية داخل المجتمع يفرض تنوعًا في الخطاب الإعلامي، ويدفع إلى ابتكار أشكال جديدة في السرد والتقديم تتناسب مع تحولات الذوق العام ومع تطور الوسائط الرقمية إلى جانب ذلك، يُعد الإعلام ذاته منتجًا ثقافيًا يعكس مستوى التطور الفكري والجمالي للمجتمع. وتعتبر اللغة المستخدمة، والقيم المروّجة، وأنماط الحوار، جميعها مؤشرات على الحالة الثقافية السائدة فى وكلما ارتفع منسوب الوعي الثقافي، انعكس ذلك إيجابًا على جودة الإعلام ومصداقيته.

(5)

بالرغم من هذه العلاقة العضوية، تواجه الثقافة والإعلام تحديات من أبرزها:
🔸 الفجوة القائمة بين المثقفين والمؤسسات الثقافية من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى، حيث تُقدَّم المادة الثقافية غالبًا بأسلوب تقليدي يفتقر إلى الجاذبية، في مقابل هيمنة المحتوى الترفيهي السريع.
🔸كما فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا، جعل الإعلام سلطة أولى في تشكيل الرأي العام، في ظل انفجار المعلومات وتراجع دور التحقق والتدقيق وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة الرقمية بين المجتمعات، سواء من حيث القدرة على إنتاج المحتوى الثقافي أو الوصول إليه. 🔸ويُضاف إلى ذلك تراجع الإعلام الثقافي المتخصص في كثير من السياقات، ما يهدد الذاكرة الثقافية ويضعف حضورها في المجال العام.

(6)
لمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية موحدة بين القطاعات الثقافية والإعلامية، تُعنى بصناعة الوعي وتحديد الأولويات الوطنية. كما يصبح من الضروري تقييم المحتوى الثقافي الإعلامي من حيث جودته وتوافقه مع القيم المجتمعية، بمنطق التطوير لا الوصاية.
وتُعد التشاركية ركيزة أساسية، من خلال تعميق التعاون بين المثقفين والإعلاميين، وبناء شراكات مع المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني.
كما يشكل التحول الرقمي فرصة حقيقية إذا أُحسن توظيفه، عبر استثمار المنصات الجديدة لإبراز التنوع الثقافي، وإتاحة المعرفة، مع العمل على تقليص فجوة الوصول.

(7)

في المحصلة، تظل الثقافة روح الأمة ومخزونها المعنوي، بينما يمثل الإعلام أداتها الأوسع تأثيرًا في نقل هذه الروح وصونها والعلاقة بينهما تصبح علاقة تكافل لا غنى عنها في معركة الوعي وهوية الأمة.
وبقدر ما ينجح هذا التكامل، تنجح المجتمعات في حماية ذاتها، وبناء إنسان واعٍ، قادر على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أكثر تماسكًا ووضوحًا !

زر الذهاب إلى الأعلى