مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: حماية الأجيال من الفضاء الرقمي المنفلت مسؤولية صحية ووطنية

مقالات للرأي

مع عودة أبنائنا وبناتنا إلى المدارس وعودة الأسرة إلى إيقاع التعليم والتحصيل والتربية والتنشئة، ينبغي أن نفتح نقاشا وطنيا جادا حول واحدة من أكثر القضايا تأثيرا في صحة الأجيال ومستقبل المجتمع، وهي الاستخدام المفرط وغير المنضبط وغير المراقب للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي المفتوح. إن القضية ليست قضية رفض للتكنولوجيا ولا دعوة إلى عزل أبنائنا عن العالم، فالتكنولوجيا أصبحت جزءا أصيلا من التعليم والمعرفة والبحث والتواصل والحياة الحديثة وإنما القضية هي حماية الطفل والمراهق من بيئة رقمية واسعة صممت في كثير من الأحيان لجذب الانتباه وإطالة مدة الاستخدام بينما لا يزال الطفل في مرحلة التكوين النفسي والعصبي والسلوكي والأخلاقي والمعرفي، ولا يمتلك دائما القدرة على التمييز بين المعرفة والمعلومة المضللة، وبين المحتوى النافع والمحتوى المؤذي، وبين التواصل الطبيعي والاستدراج والتنمر والاستغلال والإدمان الرقمي. ولم تعد هذه المخاوف مجرد انطباعات أسرية أو تربوية. فقد أظهرت دراسة منظمة الصحة العالمية في إقليم أوروبا التي شملت نحو 280 ألف مراهق من 44 دولة ومنطقة، ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع ارتباط هذا النمط بمشكلات في الصحة النفسية والرفاه والنوم والأداء الدراسي والصحة البدنية. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأدلة ليست أحادية الاتجاه فالتكنولوجيا تحمل فوائد حقيقية لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر تستدعي سياسات وقائية تحمي الفئات الأكثر هشاشة وخاصة الأطفال والمراهقين. ولهذا بدأت دول ومؤسسات دولية في الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة وضع الضوابط. والمثال الأحدث أن المفوضية الأوروبية اقترحت في سبتمبر 2026 تشريعا أوروبيا لحماية الأطفال في البيئة الرقمية يتضمن منع منصات التواصل الاجتماعي عن الأطفال دون 13 عاما، ووضع سن 15 عاما لفتح الحساب الشخصي، مع استخدام تدريجي ومقيد وتحت إشراف الوالدين للفئة الأصغر سنا. وهذه الخطوة تكشف حقيقة مهمة وهي أن الانفتاح التكنولوجي لا يعني غياب التنظيم، والدول الأكثر تقدما رقميا يمكن أن تكون في الوقت نفسه الأكثر حرصا على حماية أطفالها عندما تظهر مخاطر جديدة. ومن المنظور الصحي فإن حماية الطفل من الاستخدام الرقمي المفرط ليست ترفا تربويا وإنما تدخل وقائي مبكر. فالطفولة والمراهقة مرحلة بناء الدماغ والشخصية والعادات وأنماط النوم والحركة والتعلم والعلاقات الاجتماعية، ولذلك فإن تحويل جزء كبير من حياة الطفل إلى شاشة مفتوحة بلا حدود زمنية ولا رقابة أسرية ولا ضوابط عمرية قد يؤثر في توازنه النفسي والاجتماعي والجسدي وفي قدرته على التعلم والتفاعل الواقعي وبناء العلاقات السليمة. ومن هنا فإن المطلوب ليس مصادرة التكنولوجيا من أبنائنا وإنما إعادة وضعها في مكانها الصحيح كأداة في خدمة الإنسان وليست بيئة تستحوذ على الإنسان، ووسيلة للتعلم والمعرفة وليست بديلا عن المدرسة والأسرة والكتاب والرياضة واللعب والعلاقات الإنسانية المباشرة. إننا بحاجة إلى سياسة وطنية لحماية الأطفال والمراهقين في البيئة الرقمية، تبدأ بتحديد أعمار مناسبة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيق وسائل موثوقة للتحقق العمري، وتفعيل الرقابة الأبوية، ووضع ضوابط زمنية واضحة، وحظر أو تقييد المحتوى غير الملائم للفئات العمرية، وتشديد المسؤولية على المنصات التي تعرض الأطفال لمحتوى ضار أو خوارزميات مصممة لاستبقاء الاستخدام بصورة مفرطة مع حماية بيانات الأطفال ومنع استغلالها تجاريا. وينبغي أن تمتد المسؤولية إلى المدارس بحيث تكون هناك سياسة واضحة لاستخدام الهواتف الذكية داخل البيئة التعليمية مع التفريق بين التكنولوجيا التعليمية التي تخدم التعلم وبين الاستخدام الشخصي لمنصات التواصل أثناء اليوم الدراسي. كما يجب أن تتعاون الأسرة والمدرسة والنوادي الرياضية والثقافية والإعلام والجهات الصحية والنفسية والاجتماعية في بناء ثقافة جديدة تعيد للطفل حقه في الحركة واللعب والقراءة والتفاعل الواقعي والنوم الكافي والتعلم والترابط الأسري. ونحتاج كذلك إلى برامج وطنية للتثقيف الرقمي والصحي تبدأ منذ السنوات الأولى تعلم الطفل كيف يتعامل مع المعلومات وكيف يحمي خصوصيته وكيف يميز المحتوى الضار، وكيف يتعامل مع التنمر الإلكتروني والاستدراج والمحتوى العنيف أو الجنسي أو المتطرف، وكيف يطلب المساعدة عندما يشعر بالخوف أو الضغط أو الابتزاز أو فقدان السيطرة على استخدامه. إن حماية أبنائنا ليست مسؤولية الأسرة وحدها، كما أنها ليست مسؤولية المدرسة وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع والدولة والمنصات الرقمية والقطاع الصحي والتربوي والإعلامي والقانوني مجتمعة. والدولة التي تضع قوانين لحماية الطفل من المخاطر في العالم الواقعي لا يمكن أن تتركه دون حماية في عالم رقمي أصبح جزءا من حياته اليومية. لقد دخلنا عصرا أصبحت فيه الوقاية الصحية أوسع من الوقاية من المرض التقليدي فالوقاية الحديثة تشمل البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والمعلومات التي يتعرض لها، وأنماط نومه وحركته وتعلمه وعلاقاته وسلوكه. ولذلك فإن حماية أطفالنا من الاستخدام الرقمي المفرط والمحتوى غير المناسب يجب أن ينظر إليها باعتبارها جزءا من الصحة العامة والأمن الصحي ومستقبل رأس المال البشري للأمة. إن أبناءنا لا يحتاجون إلى إبعادهم عن المستقبل وإنما يحتاجون إلى أن ندخل بهم إلى المستقبل وهم أكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا وليس أكثر خضوعا لها وأكثر معرفة وليس أكثر تعرضا للتضليل وأكثر استقلالا وليس أكثر تعلقا بالشاشة وأكثر صحة واتزانا وليست أكثر عزلة واضطرابا. وحين تتحدث الصحة العامة والتربية وعلم النفس والأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والاجتماعية بصوت واحد فإن الرسالة تصبح واضحة أننا نريد التكنولوجيا لأبنائنا لكننا نريدها آمنة، ونريد المعرفة لكننا نريدها نافعة، ونريد الانفتاح على العالم لكننا نريد أن نحمي عقول أبنائنا وشخصياتهم ومستقبلهم. فالأجيال لا تُحمى بعد أن تتشكل مشكلاتها، وإنما تُحمى قبل ذلك بالوقاية والتربية والقانون والوعي وهذه ليست وصاية على المستقبل وإنما مسؤولية الدولة والمجتمع تجاهه.

زر الذهاب إلى الأعلى