مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الحلم والوهم وسبل اتخاذ القرار !

مقالات للرأي

 

يختلط مفهوما الحلم والوهم عند البعض ، رغم أن الفارق بينهما يمثل أحد أهم المعايير التي تحدد قدرة الأفراد والمجتمعات على اتخاذ القرار السليم.
إن الحلم يوقظ الوعي ويحفز الإرادة، بينما الوهم يستدرج العقل إلى مسارات زائفة تنتهي غالبًا إلى الإخفاق.
ومن هنا فإن الخلط بين المفهومين لا يؤدي فقط إلى سوء التقدير، بل قد يفضي إلى قرارات تغير مصائر شعوب بأكملها.
والقاسم المشترك بينهما أن كليهما يبدأ في فضاء غير مرئي داخل العقل، لكن نقطة الانطلاق ليست هي الفيصل، وإنما الطريق والنتيجة !
إن الحلم فكرة لم تكتمل ، ومشروع لم ير النور بعد ورؤية قابلة للتحقق إذا توافرت لها الإرادة والعلم والتخطيط والقدرة على التنفيذ.
أما الوهم فهو سراب يخدع صاحبه، ويقنعه بإمكانات لا تستند إلى الواقع، فيعيش داخل صورة ذهنية لا سند لها من حقائق أو معطيات أو دعنا نقول إنها فقاعة من صنع خيالاته!
ولذلك كان من حق الإنسان أن يحلم، بل إن الحضارة الإنسانية بأكملها قامت على أحلام تحولت مع الزمن إلى إنجازات.
فما من اختراع عظيم أو اكتشاف أو مشروع حضاري إلا وكان في بدايته حلمًا راود صاحبه، ثم تحول بالعمل والإصرار إلى حقيقة.
الحلم ليس هروبًا من الواقع، وإنما محاولة لتغييره و يقدم تاريخ مصر نماذج عديدة لذلك. فقد حلم محمد علي باشا ببناء دولة قوية تمتلك أسباب القوة العسكرية والاقتصادية، وسعى إلى توسيع نفوذها وعندما تحولت رؤيته إلى مشروع سياسي وعسكري، أرسل الحملات وخاض الحروب لترجمة هذا الحلم إلى واقع، بصرف النظر عن اتفاق المؤرخين أو اختلافهم حول نتائج تلك التجربة لكن التاريخ سجل أنه صاحب البداية لبناء مصر الحديثة !
و حلم تنظيم الضباط الأحرار قبل ثورة يوليو 1952 باستقلال الإرادة الوطنية وإنهاء الاحتلال وإزالة النظام الإقطاعي وهيمنة رأس المال على الحكم وعندما حانت اللحظة التاريخية في الثالث والعشرين من يوليو، تحول الحلم إلى واقع غيّر مسار الدولة المصرية لعقود طويلة
كما أتذكر، ونحن طلاب في جامعة القاهرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، أن حلم تحرير الأرض كان يملأ وجدان جيل كامل عبرنا عنه في مجلات الحائط والندوات والمؤتمرات والمظاهرات، حتى جاء السادس من أكتوبر عام 1973 ليحول ذلك الحلم إلى حقيقة، بعد أن امتلكت الدولة الإرادة والقدرة والتخطيط اللازم لتحقيقه.
أما الوهم، فله طبيعة مختلفة تمامًا إنه أشبه بمن يحرث سطح البحر أو يركض في صحراء قاحلة وراء سراب يظنه ماءً.
يبدأ الوهم باعتقاد خاطئ يتحول بالتكرار إلى يقين زائف، فيصبح صاحبه أسير صورة صنعها بنفسه، بينما الواقع يسير في اتجاه آخر وهكذا كما أسلفت يصبح سجين فقاعة من هواء

لقد توهم الخديوي إسماعيل أنه يستطيع أن يجعل مصر “قطعة من أوروبا” دون حساب دقيق للإمكانات الاقتصادية، فانتهى الأمر إلى التوسع في الاستدانة، وهو ما مهد للأزمة المالية ثم إفلاس الدولة ثم الاحتلال البريطاني !
وكان الخطأ الجسيم في تجاهل الفارق بين الإمكانات و الطموحات !
والأمر نفسه ينطبق على الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي توهم أن بوسعه إخضاع العالم لإرادته، فاندفع في حرب عالمية توسعية انتهت بانهيار مشروعه وهزيمة ألمانيا عام 1945، بعد أن دفع العالم ثمناً باهظاً من الدماء والدمار !
وفي التاريخ المصري المعاصر، توهم تنظيم الإخوان المسلمين عند وصوله إلى السلطة عام 2012 أن شعار “مشروع النهضة”، هو الحل الشامل لمشكلات الدولة. لكن التجربة العملية كشفت الفجوة بين الشعار والقدرة على التنفيذ، وانتهت بثورة الثلاثين من يونيو 2013 التي رفضت هذا المسار، بعدما اتضح أن الشعارات وحدها لا تبني أوطانًا، وأن إدارة الدول تحتاج إلى رؤية وطنية ومؤسسات قوية مستقلة ، لا إلى تصورات نظرية منفصلة عن الواقع وتبعية القرار للغير!
إن الحلم يظل حقًا مشروعًا، بل هو جزء من صناعة المستقبل، شريطة أن يكون قابلاً للتحقق وأن يستند إلى قراءة دقيقة للواقع وإمكاناته.
أما الوهم فهو ضعف في الإدراك، واستسلام لأضغاث الأحلام، فيصبح الشكل بلا مضمون، والشعار بلا إنجاز.
ويبقى السؤال:
( أين يقع الخط الفاصل بين الحلم والوهم؟)
الإجابة تكمن في أن الوعي الجمعي، والقدرة على إدراك الواقع، واستيعاب جميع مدخلات الموقف، هي التي تمنح صانع القرار القدرة على التمييز بين الطموح المشروع والخيال الزائف.
كما أن الاحتكام إلى المعلومات، ودراسة البدائل، وتقدير المخاطر، واختبار الإمكانات، كلها أدوات تمنع الحلم من الانزلاق إلى الوهم.
وفي النهاية، فإن الزمن وحده يكشف الحقيقة فعندما تظهر نتائج أي قرار، في السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام أو غيرها، يصبح من السهل التمييز بين حلم استند إلى رؤية فأثمر إنجازًا، ووهم استند إلى سراب فانتهى إلى الفشل.
عندها فقط يبقى الحلم شاهدًا على قوة الإرادة، بينما يتوارى الوهم أمام حقائق الواقع، ليؤكد أن مستقبل الأمم لا تصنعه الأمنيات، وإنما يصنعه الوعي، وحسن التقدير، والقدرة على تحويل الأحلام الممكنة إلى حقائق ملموسة !

زر الذهاب إلى الأعلى