مقالات الرأى

د. محمد عزام يكتب: “أنا” أستطيع أم “نحن” نستطيع

معضلة إدارة شريان حياة القرن الواحد والعشرين “الانترنت” ..
في سبتمبر من العام 1998 تم تأسيس منظمة “أيكان” Internet Corporation for Assigned Names and Numbers (ICANN) في الولايات المتحدة الامريكية كمنظمة أهلية متعددة الأطراف وغير هادفة للربح لتكون مسؤولة عن صيانة وصياغة الإجراءات الخاصة بالعديد من قواعد البيانات المتعلقة بأسماء وأرقام نطاقات شبكة الانترنت، مما يضمن تشغيل الشبكة بشكل مستقر وآمن. فمهمة الأيكان، كما هو مذكور في تقريرها السنوي عن الفترة من 1 يوليو 2020 إلى 30 يونيو 2021، هو المساعدة في ضمان شبكة انترنت عالمية مستقرة وآمنة وموحدة. فالوصول إلى شخص آخر على الانترنت، يحتاج إلى كتابة عنوان ما، سواء كان أسماً أو رقماً، على جهاز الكمبيوتر الخاص بك أو على هاتفك المحمول، ويجب أن يكون هذا العنوان فريدًا حتى تتمكن أجهزة الكمبيوتر من العثور على بعضها البعض والتواصل معاً. ببساطة الأيكان هي دليل تليفون الانترنت! لذا تساعد الأيكان في تنسيق ودعم هذه العناوين الفريدة في جميع أنحاء العالم، لتحقيق هذا الهدف. هدف نبيل وهام بدون شك، تحقق من ورائه دخل سنوي يبلغ أكثر من نصف مليار دولار!
ولكن من كان يقوم بهذا العمل قبل نشأة منظمة “أيكان”؟ دعونا نلقي نظرة على هذا الماضي القريب. كان هذا الأمر يقوم به الباحث الأمريكي “جون بوستل” والذي شارك في تأسيس الشبكة الالكترونية لوكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة (ARPA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، بجامعة جنوب كاليفورنيا، تحت مسمي (ARPANET)، والتي كانت أول شبكة الكترونية واسعة النطاق بين أجهزة الحاسبات الآلية المختلفة، تعتمد على مجموعة بروتوكولات TCP/IP لنقل البيانات بين الحاسبات الآلية المختلفة، والتي أصبحت الأساس الفني لنقل البيانات عبر الانترنت فيما بعد.
مع نمو الإنترنت وتوسعه عالميًا، بدأت وزارة التجارة الأمريكية في في 30 يناير 1998 بالتفكير في إنشاء منظمة جديدة للإدارة الفنية لأسماء وعناوين الانترنت. لذا أصدرت الوكالة الوطنية للاتصالات والمعلومات (NTIA)، وهي وكالة تابعة لوزارة التجارة الأمريكية، ورقة عمل مقترحة لتحسين آليات الإدارة الفنية لأسماء وعناوين الإنترنت، في السجل الفيدرالي في 20 فبراير 1998، وفتحت المجال أمام التعليقات والملاحظات العامة، وبالفعل تلقت الوكالة أكثر من 650 تعليقًا خلال فترة استقبال التعليقات والتي امتدت لحوالي شهر. وتضمنت المقترحات القيام بإجراءات معينة مصممة لخصخصة إدارة أسماء وعناوين الانترنت بطريقة تسمح بتطوير المنافسة وتسهل المشاركة العالمية في إدارة الشبكة الدولية للمعلومات، وكذلك اقترحت الورقة مجموعة حلول للقضايا المتعلقة بإدارة نظام أسماء النطاقات (Domain Name System DNS) بما في ذلك تأسيس مؤسسة جديدة غير هادفة للربح يديرها مجلس إدارة دولي لهذا الغرض.
ومن ثم تم تشكيل الأيكان التي قامت بإدارة سلطة تعيين أرقام الانترنت (Internet Assigned Numbers Authority IANA) بموجب عقد مع وزارة التجارة الأمريكية، ووفقًا لاتفاقية مع مجموعة عمل هندسة الانترنت (Internet Engineers Task Force IETF)، وهي منظمة من المتطوعين المتخصصين، ومسؤولة عن المعايير الفنية التي تشكل مجموعة بروتوكولات الانترنت.
وقد تم تأسيس الأيكان في كاليفورنيا في 30 سبتمبر 1998، كمنظمة ذات منفعة عامة غير ربحية بموجب قانون مؤسسات المنافع العامة غير الربحية في كاليفورنيا، وكانت رائدة الأعمال “إستر دايسون” أول رئيس لها. وطبقاً للوائح أيكان الداخلية وقت التأسيس، كان من المقرر تفويض المسؤولية الرئيسية لأيكان لثلاثة منظمات داعمة ومستقلة مالياً عنها، بحيث يكون هناك منظمة لدعم عناوين الانترنت ومنظمة لدعم أسماء النطاقات ومنظمة لدعم بروتوكولات الانترنت. وبالفعل وافقت سجلات الانترنت الإقليمية على العمل كمنظمة لدعم العناوين ومجموعة عمل هندسة الانترنت على العمل كمنظمة دعم البروتوكولات. وأصدرت أيكان دعوة للأطراف المهتمة لاقتراح هيكل وتكوين منظمة دعم أسماء النطاقات. ولكن في مارس 1999، قرر مجلس إدارة الأيكان، إضافة المسؤولية الأساسية لتطوير سياسات النطاقات إلى واجبات الأيكان الحالية والإشراف عليها.
في 26 يوليو 2006، جددت الحكومة الأمريكية العقد مع الأيكان لمدة تتراوح من سنة إلى خمس سنوات إضافية. وفي 29 سبتمبر 2006، بدأت علاقة جديدة بين الأيكان والحكومة الأمريكية ممثلة في وزارة التجارة، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم جديدة بينهما، تم من خلالها إعطاء حق الأشراف لوزارة التجارة الأمريكية على بعض عمليات الأيكان. وفي يوليو 2008، كررت وزارة التجارة الأمريكية بيانًا سابقًا لها بأنه “ليس لديها خطط لنقل إدارة النطاقات إلى الأيكان”. كما أكد البيان أيضًا على الأدوار المنفصلة لكل من هيئة أرقام الانترنت (IANA) وشركة VeriSign وهي شركة أمريكية تعمل كمقدم لخدمة تسجيل أسماء النطاقات على مستوي العالم. ثم قامت الأيكان في 30 سبتمبر 2009، بتوقيع اتفاقية “تأكيد التزامات” مع وزارة التجارة الأمريكية، التي أكدت التزام الأيكان بنموذج حوكمة من الأطراف ذات الصلة، ولكنها لم تزيل منه إشراف الحكومة الأمريكية عليها والتحكم فيها.
ومنذ إنشائها، كانت الأيكان محل جدل واسع. وفي عام 2000، أكد أستاذ القانون بجامعة ميامي الدكتور “مايكل فرومكين”، في ورقته البحثية المنشورة في ذلك الوقت، بأن علاقة الأيكان مع وزارة التجارة الأمريكية غير قانونية، وتمثل انتهاكًا صريحاً للدستور الأمريكي والقوانين الفيدرالية. كما أن لجنة التجارة الفيدرالية صرحت في ديسمبر 2011 أن الأيكان قد فشلت لفترة طويلة في توفير الضمانات التي تحمي مرتادي الانترنت من المحتالين الرقميين. كذلك فأن اتفاقية الأيكان مع وزارة التجارة الأمريكية في عام 2009، والسابق الإشارة إليها، تعرضت إلى انتقادات جمة، وتم تقديم مجموعة من المقترحات لتدويل مسؤوليات الأيكان، وتحويلها إلى منظمة عالمية تعمل تحت مظلة القانون الدولي، مع إنشاء آلية حكومية دولية تمكن الحكومات، على قدم المساواة، من تحديد وتنفيذ السياسات العامة المتعلقة بإدارة وحوكمة الانترنت. ودوماً كان هناك طلبات من العديد من الدول، مثل الصين وروسيا، بأن تكون المنظمة تحت مسمي WECANN بدلاً من ICANN كتعبير عن الرغبة في المشاركة الدولية الجماعية في إدارة هذا المرفق الأخطر في عصرنا الحديث.
ثم جاءت الاتفاقية التاريخية التي وقعت في 10 مارس 2016، بين الأيكان ووازرة التجارة الأمريكية، والتي تم من خلالها التحرر من إشراف الحكومة الأمريكية على الأيكان والسيطرة عليها، بدءاً من 1 أكتوبر 2016. ووضع قاضٍ في تكساس النهاية القانونية لمحاولة اللحظة الأخيرة لعرقلة هذا القرار، ومنع الحكومة الأمريكية من التخلي عن السيطرة على أحد أهم أعمدة تشغيل وإدارة الانترنت، كما ذكر “ديف لي” مراسل بي بي سي للتكنولوجيا في أمريكا الشمالية في مقاله المنشور على موقعهم الالكتروني في نفس التاريخ. وبالفعل أصبح هذا المرفق الهام خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ.
وتؤكد الأيكان، طبقاً للمنشور على صفحتها الرسمية على الانترنت، أن لا أحد، سواء كان فرداً أو حكومة أو منظمة، يمكنه التحكم في الانترنت. وأن مجتمع الأيكان يلعب دوراً محورياً في إدارة بعض البنى التحتية الهامة للانترنت على مستوي العالم. وأن هذا المجتمع هو مجتمع متعدد الأطراف، يضم ممثلي عن الحكومات والقطاع الخاص ومنظمات العمل المدني ومستخدمي الانترنت من الأفراد والمؤسسات والشركات. والجدير بالذكر أن مصر كانت لها دوماً دوراً محورياً في الأيكان، فلقد كان المرحوم الدكتور طارق كامل وزير الاتصالات الأسبق هو المستشار الأول لرئيس الأيكان والنائب الأول للرئيس لشؤون العلاقات الحكومية والمنظمات الدولية في الفترة من 2012 وحتى وفاته في 2019. كما أن المهندسة منال إسماعيل رئيس قطاع سياسات الانترنت بمرفق تنظيم الاتصالات المصري هي عضواً بمجلس إدارة الأيكان منذ 2017.
كما تدافع الأيكان عن المفاهيم المغلوطة عنها، ومنها أنها تقوم بتسجيل أسماء النطاقات على الانترنت، في حين أن تسجيل النطاقات تقوم به شركات يتم اعتمادها فقط من الأيكان، وأن الأيكان تسجل فقط نطاقات .INT الخاصة بالمنظمات الدولية. كما أن الأيكان لا تقدم خدمات الوصول لشبكة الانترنت لأن هذا الأمر منوط به شركات تقديم الخدمة في كل بلد على حدة. كما أن الأيكان لا تراقب محتوي الانترنت كما يشاع عنها، كونها لا تتحكم في المحتوي على الشبكة، ولكنها تعمل على التأكد أن الشبكة آمنة لأقصي درجة ومستقرة ومتصلة، من خلال سياسات عامة تطورها وتطبقها، ومن خلال إدارة نظام أسماء النطاقات. كما أن الأيكان لا تتدخل في النزاعات حول تسجيل وملكية أسماء النطاقات، ولكن دورها ينحصر في وضع سياسات عامة لتسجيل وملكية أسماء النطاقات وتتأكد من تطبيق تلك السياسات. وكذلك أيكان لا تقوم باعتماد كل المؤسسات التي تقوم بإنشاء وبيع أسماء النطاقات، فهي تعتمد فقط المؤسسات التي تقوم بتخصيص أسماء النطاقات طبقاً لتعاقدات يتم خلالها التزام تلك المؤسسات بمعايير خدمة محددة، كما أن الأيكان لا تقوم باعتماد المؤسسات التي تقوم بتخصيص النطاقات المحلية بكل دولة مثل نطاقات .uk و .jp و .eg
كذلك فأن الأيكان رفضت حتى الآن تخصيص النطاقات .islam و .halal من خلال شركة تركية بعد أن اعترضت منظمة التعاون الإسلامي على هذا الأمر، لأنها تري أنه يجب أن يتم تخصيص وإدارة تلك النطاقات من قبل المنظمة التي تمثل أكثر من 2 مليار مسلم.
وفي سابقة تاريخية، رفضت الأيكان، في الثالث من مارس 2022، بعد أيام قليلة من اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، طلباً لأوكرانيا لحجب المواقع الروسية من على الشبكة الدولية للمعلومات. وهذا الأمر أراه أنه أول اختبار حقيقي لمنظمة الأيكان ومدي قدرتها على الحوكمة الفعلية، وفصل السياسة عن شريان الحياة في قرننا الواحد والعشرين، شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، التي يتواجد عليها أكثر من نصف سكان الكوكب، ويقضون من وقتهم عليها مدة تزيد عن الثماني ساعات يومياً.
أن الانترنت أصبحت العمود الفقري لحياتنا واقتصادنا، وأصبحت أكبر من أن تكون تحت سيطرة أي دولة مهما كانت كبيرة أو صغيرة. كما أن منظومة الانترنت ليس من المقبول أن تكون معرضه للتلاعب والتوقف من أي جهة، تحت أي مسمي في أي وقت. وإلا انهار عالمنا المعاصر بكل ما يتضمنه من حداثة وتقدم وازدهار ورفاة.
فتواصل البشر على مدار الساعة اقتصادياً واجتماعياً أدي لإطلاق الموجة الأعظم من الابتكار الخادم للبشر والبشرية. وبدون الانترنت نعود للقرون الوسطي بالمعني الحرفي للكلمة، بل سنعيش في عالم أكثر ظلاماً وفوضي، وهذا أمر لن تتحمله البشرية ولن ترضي به، مهما كان السبب أو المبرر.
لذا فأن الحوكمة الدولية لهذه المنظومة، الأكثر تأثيراً على البشرية طوال تاريخها، يجب أن تتواصل بمنتهي التجرد والحكمة والشفافية والحرفية المطلقة، لاستمرار تطور الإنسانية، وليس العكس! لأن غير ذلك فهو بمثابة الكارثة العظمي! فعالمنا قبل الانترنت غير عالمنا بعده، وعالمنا في حالة اختفاء الانترنت منه، سيكون عالماً موحشاً بدائياً، مثله مثل عوالم العصر الحجري، عوالم ما قبل التاريخ!
————
– الأمين العام المساعد – المجلس العربى للمسئولية المجتمعية
– عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا
-استشاري التحول الرقمي

زر الذهاب إلى الأعلى