أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد: قراءة إيمانية وسلوكية في معاني الحج … إسماعيل الابن المطيع – الطاعة طريق القرب

متابعات يوتوبيا

 

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.

وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد.
كتب يقول:

يتناول هذا المقال النموذج الفريد لطاعة إسماعيل عليه السلام، ويستعرض دلالات هذه الطاعة في بعدها الإيماني والتربوي، وكيف أن مشهد الاستسلام الكامل لأمر الله من نبي وابنه يجسد ذروة القرب، ومقام الفداء، وروح التوحيد الخالص. كما يبرز المقال كيف أن هذا الموقف صار جزءًا حيًا من مناسك الحج وشعائره الكبرى.

عندما يذكر اسم إسماعيل عليه السلام، يتبادر إلى الذهن مشهد من أبهى مشاهد الطاعة في تاريخ البشرية، وهو ما وصفه القرآن الكريم بإيجاز معبّر:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

إنها طاعة بلا شرط، وتسليم بلا تردد، وقبول لمشيئة الله بلا مساومة. وهو مشهد يتجدد في كل حج، في أعمال النسك، وفي شعيرة الهدي، وفي رمز الفداء.

أولًا: الطاعة ثمرة التربية النبوية

لقد نشأ إسماعيل عليه السلام في بيت النبوة، فكان الولد الوحيد في ذلك الوقت لأبيه الخليل إبراهيم، بعد سنين من الرجاء والدعاء. ورغم ذلك، لم يتعلّق إبراهيم به تعلّقًا يعطل أمر الله، ولم يتعلّق إسماعيل بالحياة تعلّقًا يعارض التكليف.
• قال إبراهيم: ﴿يا بُنَيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك﴾
• فقال إسماعيل: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر﴾

لم يقل: “أرأيت؟” ولا “هل أنت متأكد؟” بل قال: “افعل”، دليل التسليم الكامل والرضا التام.

ثانيًا: المقام الإبراهيمي الإسماعيلي – الامتثال الكامل

المنام في حق الأنبياء وحي، ولذلك كان أمر الذبح اختبارًا إلهيًا شديدًا. ومع ذلك:
• لم يستفهم إبراهيم عن الأمر، بل سارع إلى تنفيذه.
• ولم يعترض إسماعيل، بل أيّد أباه ودعمه.

فجاء الجزاء الإلهي:

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]

فصار هذا الحدث أصلًا في مناسك الحج، وتعبيرًا عن أن الطاعة لله توصل إلى الفداء والقرب، لا إلى الألم والفقد.

ثالثًا: من مشهد الذبح إلى شعيرة النحر

كلما قام الحاج بنحر الهدي في منى، أو رمى الجمرات، أو سعى بين الصفا والمروة، فإنه يعيد تمثّل قصة الطاعة الإبراهيمية الإسماعيلية، حيث:
• الرمي يمثل الانفصال عن الشيطان الذي اعترض أمر الذبح.
• النحر يمثل الفداء العظيم.
• الحلق والتقصير يمثل التجرد والامتثال.

وهكذا يصبح الحج إعادة إحياء للمدرسة الطاعوية، بكل تفاصيلها الرمزية والعملية.

رابعًا: القرب لا يتحقق إلا بالطاعة

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]

وليس أقرب إلى الله من عبد أطاعه، واستسلم لحكمه، ورضي بقضائه. وقصة إسماعيل عليه السلام تلخّص هذا المعنى:
• الطاعة لا تُجزّأ: هي طاعة في الرضا والمكروه.
• القرب لا يُنال بالعلم وحده، بل بالعمل والتسليم.
• التضحية في سبيل الله ليست خسارة، بل فداء ورفعة.

خامسًا: دروس من قصة الذبح والطاعة
1. الطاعة علامة الإيمان الحق، لا مجرد الادعاء اللفظي.
2. الآباء الصالحون يربّون أبناءهم على الامتثال، لا على المجادلة.
3. الاختبارات العظيمة تأتي بعد البلوغ الروحي “فلما بلغ معه السعي”.
4. النية الصادقة تُثمر الفرج: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾.
5. الطاعة في الحج ليست لحظات مناسك، بل دروس حياة.

خاتمة

حين نعيد قراءة قصة إسماعيل عليه السلام في ضوء شعائر الحج، ندرك أن كل خطوة في هذا النسك العظيم هي تجديد لعهد الطاعة. ومن أراد القرب من الله، فعليه أن يسلّم، وأن يرضى، وأن يقول كما قال إسماعيل:

“يا أبتِ افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين”

ففي الطاعة تسليم، وفي التسليم فداء، وفي الفداء قرب.

المصادر والمراجع
1. الطبري، تفسير جامع البيان.
2. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
3. الرازي، التفسير الكبير.
4. محمد الغزالي، فقه السيرة.
5. دراسات في فلسفة الطاعة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى