د. فايد محمد سعيد: قراءات إيمانية وسلوكية في معاني الحج .. السعي بين الصفا والمروة: رمزية االعمل الدؤوب والسعي بالإيمان
متابعات يوتوبيا

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد.
يستعرض هذا المقال فعل السعي بين الصفا والمروة من منظور إيماني وتربوي، متأملًا في دلالاته كركن من أركان الحج والعمرة، ومقاصده القلبية والسلوكية. ويربط بين السعي كمشهد عبادي وبين معناه الرمزي العميق: أن الإيمان ليس استسلامًا سلبيًا، بل هو حركة واجتهاد دائم، يتوسطه الرجاء ويتوجه بالتوكل.
من أعظم ما يميز شعيرة الحج أنها ليست شعائر جامدة، بل كل ركن فيها يحكي قصة، ويبث موعظة، ويؤسس قيمة. ومن بين هذه الأركان، يحتل السعي بين الصفا والمروة مكانة فريدة، إذ يجسد رمزًا خالدًا لـ العمل مع اليقين، والسعي مع الإيمان، والحركة مع الرجاء.
⸻
أولًا: السعي.. من فعل امرأة إلى فريضة أمة
أصل السعي يرجع إلى فعل هاجر عليها السلام، حين سعت بحثًا عن الماء لرضيعها إسماعيل. فكان فعلها في أصله سعي أم مفجوعة، لكنه صار مع الزمن سنةً متبعة. وقد أضفى الشرع على هذا الفعل طابع القداسة، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]
فإذا كان الوقوف بعرفة يمثل الخضوع، والطواف يمثل الانتماء، فإن السعي يمثل العمل المتواصل، بكل ما تحمله الكلمة من جهد ومجاهدة.
⸻
ثانيًا: ثنائية الصفا والمروة.. بين البداية والنهاية
الصفا والمروة، جبلان متقابلان، والساعي يكرّ بينهما، في مشهد يحمل في طياته دلالات رمزية عميقة:
• التكرار سبع مرات يرسّخ قيمة الإصرار وعدم اليأس.
• التنقل بين موضعين ثابتين يذكّرنا بأن حياتنا تسير بين الثابت والمتحرك، بين الشك واليقين، بين الحاجة والعطاء.
• ركض الساعي بين العلامتين الخضراوين يمثل ذروة الاجتهاد، ومواصلة العمل دون فتور.
وهذا ما يجعل السعي صورة رمزية لحياة المؤمن: لا يقعده فقد، ولا يوقفه انتظار، ولا يثنيه يأس.
⸻
ثالثًا: المعنى الإيماني للسعي
السعي ليس مجرد حركة بين جبلين، بل هو حركة في القلب قبل أن تكون حركة في القدم. هو إعلان عملي أن:
“الإيمان ليس أن تجلس وتنتظر الفرج، بل أن تعمل وتتحرك، وتثق أن الله لا يضيعك”.
وقد جعل النبي ﷺ السعي من أعمال الحج، وعلّمه لأصحابه، وقال:
“اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي” [رواه أحمد].
فكأن الله عز وجل كتب على هذه الأمة العمل، وألزمها ألا تركن إلى السكون.
⸻
رابعًا: السعي بين الجبلين.. دورة حياة روحية
إن التأمل في تكرار السعي يكشف عن دورة روحية:
1. البدء من الصفا: وهو موطن صفاء النفس والانطلاق.
2. الوصول إلى المروة: موطن الرجاء وطلب العون.
3. العودة إلى الصفا: حيث يتجدد العزم وتتكرر التجربة.
وهكذا، يعلمنا الحج أن السعي لا ينتهي، وأن المؤمن في رحلة دائمة بين الرجاء والخوف، بين الاجتهاد والتوكل.
⸻
خامسًا: دروس عملية من السعي
• التوازن بين السعي والتوكل: الساعي لا يملك الماء، لكنه يسعى، لأن السعي واجب والتوفيق من الله.
• العمل بلا ضمانات: هاجر لم تكن تملك يقينًا بحصول الماء، لكنها كانت تملك يقينًا بالله.
• الإيمان يورث الحركية: لا يوجد في الحج ركن ساكن. كل أركانه حركة.. لأن الإسلام دين عمل وعزيمة.
⸻
خاتمة: أثر السعي في حياتنا
بعد أن يؤدي المسلم السعي في الحج، يعود إلى حياته وقد تعلم أن:
• لا يأس مع الله.
• لا راحة لطالب النجاة.
• لا توكل بدون سعي، ولا سعي بدون نية.
السعي يعلمنا أن المؤمن مطالب بأن يعمل كما لو أن كل شيء بيده، ويتوكل كما لو أن كل شيء بيد الله. ومن هنا، فإن أثر السعي باقٍ في القلب، كما هو باقٍ في الشعيرة.
⸻
المصادر والمراجع
1. الطبري، جامع البيان.
2. ابن حجر، فتح الباري.
3. ابن القيم، مدارج السالكين.
4. عبد الحليم محمود، قصة هاجر والإيمان الحي.








