د. فايد محمد سعيد : البصمة الوراثية وتحرير الجينوم في ضوء الشريعة قراءة علمية في وثيقة الكويت الدولية
متابعات يوتوبيا

العلم في أوج اندفاعه، والشرع في ذروة حضوره
في زمنٍ بلغت فيه تقنيات الطب الجيني ذروتها، وتقاطعت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي مع تحليل الشيفرة الوراثية للإنسان، لم تقف الشريعة صامتة. بل كانت حاضرة في مؤتمر علمي مهيب، جمع بين كبار العلماء والأطباء والفقهاء في دولة الكويت، ضمن فعاليات المؤتمر الدولي السابع عشر للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الذي انعقد في شهر مايو 2025، تحت عنوان:
“البصمة الوراثية وتحرير الجينات في عصر الذكاء الاصطناعي: رؤية شرعية”
وثيقة الكويت: اجتهاد جماعي على بصيرة
جاءت وثيقة الكويت الدولية التي صدرت عن المؤتمر، ثمرة نقاشات علمية معمقة شارك فيها فقهاء كبار، وأطباء متخصصون، وممثلون عن مجامع فقهية ومؤسسات علمية من العالم الإسلامي، وقد عكست هذه الوثيقة روح الاجتهاد الجماعي المعاصر، القائم على مراعاة:
أصول الشريعة ومقاصدها
المعطيات الطبية الحديثة
الأبعاد الأخلاقية والقانونية
الضوابط الشرعية في استخدام التقنيات الجينية
وكان مما تميزت به الوثيقة:
بيان الضوابط الأخلاقية والشرعية لاستخدام البصمة الوراثية في إثبات النسب، والتحقيقات الجنائية، ومجالات الطب الوقائي.
تحديد موقف الشريعة من تحرير الجينوم (Genome Editing)، وخاصة تقنيات CRISPR، بين الجواز المشروط، والمنع عند المساس بالثوابت أو بالكرامة الإنسانية.
التمييز الدقيق بين العلاج والتعديل والتحسين الجيني، والتحذير من الانزلاق إلى ما يسمى “التحسين الوراثي الفائق” الذي يهدد التوازن البشري والعدالة الجينية.
معالم الفتوى في ضوء الوراثة والذكاء الصناعي
لم تكتف الوثيقة بالتوصيات العامة، بل أرست مبادئ فقهية جديدة يمكن اعتبارها من “الاجتهادات المؤسسة”، نذكر منها:
أن البصمة الوراثية قرينة قوية في إثبات النسب، لكنها لا تُقدَّم على اليقين الشرعي المأخوذ من الفراش إلا بضوابط وشروط.
أن الذكاء الاصطناعي ليس فقيهًا ولا طبيبًا مستقلاً، بل هو أداة مساعدة يجب ضبطها أخلاقيًا وشرعيًا.
أن التدخل في الجينوم البشري يجب أن يُراعى فيه ميزان المصلحة والمفسدة، مع مراعاة خصوصية الإنسان وعدم تحويله إلى كائن معدل وفق إرادة الشركات أو الحكومات.
التحذير من أن تتحول المعلومات الوراثية إلى أداة للتمييز العنصري أو التحكم بالناس، والدعوة إلى تشريعات تحفظ الخصوصية والكرامة.
صوت الكويت إلى العالم الإسلامي
وقد أشادت المؤسسات العلمية والفقهية المشاركة بالمستوى الرفيع لهذا المؤتمر، من حيث التنظيم والمحتوى والمشاركات، وأكدت أن دور المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أصبح أساسيًا في صياغة فقه الطب الحديث، وباتت مخرجاتها مرجعًا موثوقًا للمجامع الفقهية، وللأطباء الذين يتطلعون إلى ممارسة المهنة بوعي شرعي وإنساني.
وكان من أبرز المشاركين في المؤتمر:
ممثلون عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة)
والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (مكة)
ومندوبون عن الأزهر الشريف
وأعضاء من هيئات الفتوى الأوروبية والإفريقية
إضافة إلى حضور لافت من نخبة الأطباء العرب والمسلمين المتخصصين في الوراثة والذكاء الصناعي
المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية: بوابة الاجتهاد المتجدد
مرة أخرى، تثبت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أنها بيت الخبرة الشرعي الطبي الأول في العالم الإسلامي، وأن مؤتمراتها ليست مناسبات فكرية عابرة، بل محطات تأسيسية تفتح آفاقًا جديدة لفقه الواقع، وترسم معالم العلاقة بين الدين والعلم في زمن الذكاء والسرعة.
في المقال القادم بإذن الله، سنقف عند مؤتمر المنظمة حول “الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات الطب”، ونناقش كيف تعامل العلماء مع هذه التقنية التي باتت تكتب التقارير الطبية، وتقترح العلاجات، بل وتُجري التشخيص نيابة عن الطبيب.









