أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد:،قراءات إيمانية وسلوكية في معاني الحج .. مقام إبراهيم: المكان الذي يشهد على الطاعة (3)

متابعات يوتوبيا

 

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.

وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد

يتناول هذا المقال مقام إبراهيم عليه السلام، باعتباره معلمًا من معالم التوحيد، ومشهدًا خالداً من مشاهد الطاعة المطلقة لله عز وجل. ونتأمل في هذا المقال البعد الإيماني والروحي والتاريخي لهذا المقام، وعلاقته بقيم الامتثال، وبناء الأمة، واستمرارية الرسالة الإبراهيمية في الحج.

مقدمة

ليس مقام إبراهيم حجرًا فحسب، بل هو أثر ناطق لطاعة خالدة. فيه وقفت قدم النبي إبراهيم عليه السلام، حين ارتفع ببنيانه في الكعبة، وفيه وقفت النية الصافية والهمة العالية، وخلّد الله ذكره فقال:

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97]

فما قصة هذا المقام؟ وما دلالاته في سياق فريضة الحج؟ وما أثره الباقي في سلوك المؤمنين؟

أولًا: مقام إبراهيم.. قصة أثر

عندما بُنيت الكعبة، كان إبراهيم يرفع القواعد، ويعاونه ابنه إسماعيل، فلما ارتفع البناء، احتاج إلى شيء يقف عليه، فكان هذا الحجر، الذي ثبت تحته، حتى غاصت فيه قدماه، فأصبح أثر القدمين محفورًا فيه إلى اليوم.

لكن القصة لم تنتهِ هناك، بل تحوّل الحجر إلى مقام، والمقام إلى آية، والآية إلى شعيرة.

ثانيًا: مقام الطاعة المطلقة

يمثل مقام إبراهيم رمزًا للطاعة التي لا تكلّف الله شيئًا، لكنها تطلب من الإنسان كل شيء. فقد بُني البيت على يد نبي، بأدوات بسيطة، لكنه بُني بنيّة خالصة، وأُسس على التقوى من أول يوم.

ولذلك قال الله لنبيه محمد ﷺ:

﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

أي اجعلوا من هذا الموضع مصلّى يذكّركم بطاعة أبيكم إبراهيم، الذي قدّم لله كل شيء: المال، الولد، الوطن، الجسد، والنفس.

ثالثًا: أثر المقام في النفس المؤمنة

مقام إبراهيم يحمل دلالات تربوية عميقة:
• معنى العلو في البناء والطاعة: مقام إبراهيم يشير إلى أن الطاعة لا تبنى من الأرض فقط، بل تحتاج إلى ارتفاع في الهمة ورفعة في النية.
• البقاء للأثر الصادق: لا شيء يبقى مثل الطاعة الخالصة. بقي مقام إبراهيم، واندثر كل بناء غيره.
• الشهود الحي على الإيمان: مقام إبراهيم ليس أثرًا ميتًا، بل شاهد حي على صدق الطاعة، تراه العيون وتخشع له القلوب.

رابعًا: مقام إبراهيم في السياق النبوي

جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
“رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من الطواف أتى المقام فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى ركعتين خلفه” [رواه البخاري].

فالمقام في السنة النبوية محطة عبادة وتفكر، لا مجرد أثر أثري، يجمع بين التأسيس الإبراهيمي، والتطبيق المحمدي، والدلالة الإيمانية.

خامسًا: في ظلال المقام.. دروس وعِبر
1. النية تبني، والقدم تُثبت: المقام علمنا أن الإنسان إذا أخلص النية لله، أثبت الله له الأثر.
2. العمل لله يبقى: آلاف الأعوام مرت، ولا زال الناس يطوفون بالكعبة، ويصلّون عند مقام إبراهيم.
3. كل واحد منّا له مقام: لا بمعنى الأثر الحجري، بل بمعنى أثر الطاعة في حياته، وما يتركه من عمل صالح خالد.

خاتمة: مقامك حيث تقيم طاعتك

مقام إبراهيم دعوة لكل مؤمن أن يبني أثره بالطاعة، لا بالمال، ولا بالجاه، ولا بالشهرة. مقامك الحقيقي في الحياة هو حيث أقمت ركعة لله، أو زرعت خيرًا، أو أخلصت نية.

فيا من تقف عند مقام إبراهيم في الحج، تذكّر أن كل طاعة صادقة لك مقام عند الله، فابنِ مقامك.

المصادر والمراجع
1. الطبري، جامع البيان.
2. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
3. ابن القيم، مدارج السالكين.
4. ابن عاشور، التحرير والتنوير.
5. محمد الغزالي، فقه السيرة.
6. الشعراوي، خواطر حول مقام إبراهيم.

زر الذهاب إلى الأعلى