الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب : اللاجئون في مصر بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي !
مقالات للرأي

تتصاعد في السنوات الأخيرة وتيرة النقاش حول قضية اللاجئين في مصر، ليس فقط بوصفها مسألة إنسانية تفرضها الجغرافيا والتاريخ، ولكن أيضًا باعتبارها ملفًا مركبًا يتقاطع مع محددات الأمن القومي والاقتصاد والقانون الدولي. ويكتسب هذا الجدل زخمًا إضافيًا مع تزايد أعداد اللاجئين من جنسيات متعددة، في ظل ظروف إقليمية مضطربة، ما يفرض من وجهة نظري ضرورة إعادة تقييم شاملة لكيفية إدارة هذا الملف الحيوي !
تُعرف صفة “اللاجئ” وفق اتفاقية جنيف للاجئين 1951 بأنها تُمنح للأشخاص الذين يفرّون من بلدانهم بسبب خوف مبرر من الاضطهاد أو النزاعات المسلحة أو الكوارث.
وتلزم هذه الاتفاقية الدول الموقعة—ومن بينها مصر—بتوفير الحماية وعدم الإعادة القسرية. غير أن الاتفاقية نفسها تترك هامشًا واسعًا للدول لتنظيم أوضاع اللاجئين داخليًا وفق قوانينها الوطنية، بما يحقق التوازن بين الالتزامات الإنسانية والسيادة الوطنية.
في الحالة المصرية، يبرز نموذج مختلف نسبيًا عن كثير من الدول المستقبلة للاجئين.
بينما تعتمد دول مثل تركيا أو بعض دول الاتحاد الأوروبي على سياسات العزل النسبي أو إنشاء مخيمات منظمة، تميل مصر إلى دمج اللاجئين داخل النسيج المجتمعي، حيث يعيشون في المدن ويستخدمون الخدمات العامة كالتعليم والصحة بشكل شبه طبيعي.
هذا النموذج، رغم إنسانيته، يطرح تحديات معقدة، إذ يجعل من الصعب أحيانًا التمييز بين “اللاجئ” و”المقيم الأجنبي”، سواء من الناحية القانونية أو الأمنية.
تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى وجود مئات الآلاف من اللاجئين المسجلين رسميًا في مصر، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الفعلي قد يصل إلى عدة ملايين عند احتساب غير المسجلين.
وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل وصلت الطاقة الاستيعابية للدولة إلى حدها الأقصى؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط بعدة عوامل، من بينها الضغط على البنية التحتية، وارتفاع الطلب على الخدمات، وتنافس العمالة في سوق يعاني بالفعل من تحديات هيكلية.
من زاوية الأمن القومي، لا يعني وجود اللاجئين بالضرورة تهديدًا مباشرًا، لكن التوسع غير المنظم قد يخلق بيئات هشة يمكن استغلالها من قبل شبكات الجريمة أو التنظيمات المتطرفة، خاصة في دولة واجهت في السابق تحديات إرهابية مع غياب قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لاعداد اللاجئين غير المسجلين وصعوبة الرقابة في ظل الاندماج الكامل، قد يزيد من تعقيد المشهد الأمني. ومن هنا تأتي أهمية التفرقة الواضحة بين ثلاث فئات : ▪️لاجئون، طالبو لجوء لسبب سياسي أو انساني
▪️مقيمون لأغراض العمل أو الدراسة
▪️مهاجرون غير نظاميين أو غير مسجلين لدى الجهات المعنية
اقتصاديًا، تتحمل الدولة المصرية أعباء إضافية نتيجة تقديم الخدمات العامة دون تمييز كبير، وهو ما يمثل ضغطًا على موازنة تعاني أصلًا من تحديات، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بعض اللاجئين يساهمون في الاقتصاد المحلي من خلال العمل والاستثمار، ما يخلق تأثيرًا مزدوجًا يتطلب إدارة دقيقة بدلًا من أحكام عامة
اللافت في هذا السياق أن مصر، رغم استضافتها لأعداد كبيرة من اللاجئين، لا تُصنف دائمًا ضمن “الدول المضيفة الكبرى” في الخطاب الدولي بنفس الدرجة التي تُمنح لدول أخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير التصنيف وآليات الدعم الدولي.
هذا التباين قد ينعكس على حجم المساعدات والبرامج الموجهة لدعم الدولة المضيفة، ويزيد من الفجوة بين الالتزامات الواقعية *والإمكانات* المتاحة.
بناءً على ذلك، يبدو أن التعامل مع ملف اللاجئين في مصر يحتاج إلى مقاربة متوازنة تقوم على عدة محاور:
▪️ أولًا، تحديث الإطار القانوني بما يضمن وضوح التصنيفات والحقوق والواجبات؛
▪️ثانيًا، تعزيز نظم التسجيل والبيانات لضمان الرقابة الفعالة؛ ▪️ثالثًا، توسيع التعاون مع المنظمات الدولية للحصول على دعم يتناسب مع حجم التحدي؛ ▪️وأخيرًا، إدارة الخطاب العام بحيث يبتعد عن التهويل أو التبسيط، ويعكس طبيعة القضية المركبة.
في النهاية، تظل مصر نموذجًا إنسانيًا مهمًا في استقبال اللاجئين، لكن استمرار هذا الدور يتطلب إعادة ضبط دقيقة تضمن ألا يتحول الالتزام *الأخلاقي* إلى عبء يفوق القدرة، أو ثغرة يمكن أن تمس استقرار الدولة و التحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين الإنسانية والأمن، بل في القدرة على تحقيق التوازن بينهما.









