مقالات الرأى

المستشار/ حسام الدين علام يكتب: القانون وإدارة المخاطر: من رد الفعل إلى حسن الاستعداد

مقالات للرأي

إدارة المخاطر تعني الانتقال من انتظار المشكلة إلى الاستعداد لها، ومن التعامل مع الضرر بعد وقوعه إلى تقليل احتماله وأثره قبل أن يتسع. والخطر في معناه العملي هو احتمال وقوع حدث يؤثر في هدف مشروع أو خدمة أو مورد أو حق أو مرفق. وقد يكون الخطر ماليًا، أو إداريًا، أو صحيًا، أو بيئيًا، أو رقميًا، أو تعاقديًا، أو متعلقًا بسلامة الأفراد واستمرار الخدمات.

  وتزداد أهمية إدارة المخاطر في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتشابك فيه الخدمات، وتتعاظم فيه قيمة البيانات، وتصبح فيه القرارات العامة والخاصة أكثر احتياجًا إلى التخطيط والتوثيق والوقاية. لذلك يلتقي القانون مع إدارة المخاطر عند نقطة شديدة الوضوح: حماية الإنسان والخدمة والمال العام من خلال قواعد مسبقة، ومسؤوليات محددة، وإجراءات قابلة للتنفيذ.

تعريف إدارة المخاطر بلغة واضحة

  إدارة المخاطر هي عملية منظمة تبدأ بتحديد الخطر، ثم فهم أسبابه، وتقدير احتماله، وقياس أثره، وترتيب أولوياته، واختيار طريقة التعامل معه، ثم متابعة النتائج وتحديث الإجراءات. ويكون التعامل مع الخطر بتقليله، أو تجنبه، أو نقله بالتأمين أو التعاقد، أو قبوله في حدود محسوبة عندما تكون كلفة منعه أكبر من أثره المتوقع.

  والفارق بين الخطر والأزمة أساسي. الخطر احتمال يمكن رصده والاستعداد له، أما الأزمة فهي واقعة ضاغطة تحتاج إلى استجابة عاجلة. ومن هنا تظهر قيمة حسن الاستعداد؛ فالمؤسسة التي تملك سجلًا للمخاطر، وخطة طوارئ، ومؤشرات إنذار مبكر، ومسؤوليات واضحة، تكون أكثر قدرة على حماية الخدمة عند المفاجآت.

  وتشمل المخاطر القانونية كل احتمال ينشأ عن مخالفة قانون، أو غموض في اختصاص، أو ضعف في عقد، أو نقص في توثيق، أو إهمال في صيانة، أو معالجة غير آمنة للبيانات، أو قرار لا يقوم على سند كاف. لذلك تساعد إدارة المخاطر القانونية على حماية القرار من بدايته، وتجعل الإجراء أوضح، والمستند أقوى، والمسؤولية أكثر تحديدًا.

الأساس الدستوري لفكرة الاستعداد

  يقدم الدستور المصري أساسًا واضحًا للتفكير الوقائي، من خلال نصوص تتصل بالسلامة، والبيئة، وأمن الفضاء المعلوماتي، والنزاهة، وحسن أداء الوظيفة العامة. فقد نصت المادة (٣١) على أن: “أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذي ينظمه القانون.” وهذا النص يضع المخاطر الرقمية في قلب الإدارة الحديثة، لأن الخدمة الرقمية تحتاج إلى أمن للنظم، وحماية للبيانات، واستمرارية عند الأعطال.

  كما نصت المادة (٤٦) على أن: “لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة فيها.” وتمنح هذه المادة إدارة المخاطر البيئية والصحية بعدًا دستوريًا مباشرًا، لأنها تربط الحماية بالتنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.

  وتنص المادة (٥٩) على أن: “الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.” والحياة الآمنة في معناها العملي تحتاج إلى مرافق سليمة، وطرق آمنة، وخدمات منتظمة، وخطط طوارئ، وثقافة عامة تحترم إجراءات الوقاية.

  وتقرر المادة (٢١٨) التزام الدولة بمكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، وحسن أداء الوظيفة العامة، والحفاظ على المال العام. وهذه العناصر تمثل صميم إدارة المخاطر المؤسسية؛ فالفساد، وضعف التوثيق، وتداخل المصالح، وسوء المتابعة، كلها مخاطر تمس جودة الخدمة والثقة في الإدارة.

أطر قانونية تحمي القرار والخدمة

  تظهر إدارة المخاطر في القوانين المصرية من خلال قواعد عملية متعددة. فقانون المالية العامة الموحد رقم (٦) لسنة (٢٠٢٢) يدعم الانضباط المالي، وينظم إعداد الموازنة وتنفيذها ومتابعتها، ويعزز ربط الإنفاق بالأهداف والنتائج. وهذا الإطار يقلل مخاطر الهدر، وتجاوز الاعتمادات، وانفصال الصرف عن الأثر الفعلي.

  وفي مجال التعاقدات العامة، يضع قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة رقم (١٨٢) لسنة (٢٠١٨) قواعد مهمة لحماية المال العام وجودة الخدمة. فالتعاقد يحمل مخاطر تتعلق بتحديد الاحتياج، ودقة المواصفات، وعدالة المنافسة، وسلامة الترسية، ومواعيد التنفيذ، وجودة الاستلام. وكلما كانت كراسة الشروط واضحة، والمتابعة منتظمة، والمستندات دقيقة، قلت احتمالات النزاع والتكلفة غير المتوقعة.

 وفي المجال الرقمي، يواجه قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (١٧٥) لسنة (٢٠١٨) صور الاعتداء على النظم والشبكات والمواقع والحسابات والبيانات. ويضع قانون حماية البيانات الشخصية رقم (١٥١) لسنة (٢٠٢٠) إطارًا لحماية البيانات عند جمعها أو معالجتها أو الإفصاح عنها. وهنا تظهر إدارة المخاطر الرقمية كضرورة قانونية وإنسانية، لأنها تمس الخصوصية، والثقة، واستمرارية الخدمات، وسمعة المؤسسات.

  وتتصل إدارة المخاطر كذلك بقواعد السلامة والصحة المهنية، وحماية المستهلك، وحماية البيئة، والمسؤولية المدنية، والتأمين، والرقابة المالية والإدارية. ويجمع هذه المجالات مبدأ عملي واحد: التنظيم المبكر أقل كلفة من إصلاح الضرر المتأخر.

القيمة العملية للانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد

  تظهر أهمية إدارة المخاطر في نتائجها اليومية. صيانة جهاز طبي قبل تعطله تحمي مريضًا وتوفر تكلفة. مراجعة عقد قبل توقيعه تمنع نزاعًا طويلًا. حماية قاعدة بيانات تصون خصوصية الناس وتمنع ارتباك الخدمة. تدريب العاملين على الطوارئ يحول الارتباك إلى تصرف منظم. متابعة طريق أو مصعد أو شبكة مياه تقلل احتمال الحوادث والأعطال.

  ومن منظور عقلي ونفعي، الاستعداد الجيد يوفر الموارد. فالإنذار المبكر أقل تكلفة من الأزمة، والصيانة أقل تكلفة من الاستبدال، والتدريب أقل تكلفة من الحادث، والتوثيق أقل تكلفة من الخصومة، وحماية البيانات أقل تكلفة من فقدان الثقة. لذلك تمثل إدارة المخاطر أحد مداخل جودة الحياة؛ لأنها تجعل الخدمة أكثر انتظامًا، والقرار أكثر سلامة، والموارد أكثر كفاءة.

  وتتفق هذه الرؤية مع معيار ISO 31000 لإدارة المخاطر، الذي يقدم مبادئ تساعد المؤسسات على إدماج المخاطر في القرار والتخطيط والمتابعة. كما تتفق مع إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث ٢٠١٥-٢٠٣٠، الذي يقوم على فهم المخاطر، وتعزيز حوكمتها، والاستثمار في الحد منها، وتقوية الاستعداد للاستجابة والتعافي. وهذه المبادئ تصلح للكوارث الكبرى كما تصلح، بدرجات مناسبة، للخدمات والمرافق اليومية.

ممارسات وتوصيات لبناء ثقافة الاستعداد

  يستطيع المواطن أن يكون طرفًا مهمًا في إدارة المخاطر بسلوك بسيط ومسؤول: الالتزام بتعليمات السلامة في المرافق العامة، احترام مخارج الطوارئ، الإبلاغ عن الأعطال التي قد تسبب ضررًا، مثل الأسلاك المكشوفة، أو تسرب المياه، أو تلف الطريق، أو خلل المصعد، والمحافظة على معدات الإطفاء والإسعاف والإنذار.

  وفي البيئة الرقمية، تبدأ الوقاية من حماية البيانات الشخصية، وعدم مشاركة الأرقام السرية أو صور المستندات مع روابط مجهولة، واستخدام كلمات مرور قوية، وتحديث التطبيقات، والتحقق من المنصات الرسمية. كما يساعد الامتناع عن نشر معلومات غير موثقة وقت الأزمات على تقليل الارتباك ودعم الاستجابة الصحيحة.

  وتحتاج المؤسسات إلى خطوات عملية واضحة: إعداد سجل للمخاطر، تحديد المسؤول عن كل خطر، ترتيب الأولويات حسب الاحتمال والأثر، وضع خطط استجابة، اختبار الخطط، تدريب العاملين، مراجعة التعاقدات من زاوية المخاطر، حماية البيانات، وتوثيق الدروس المستفادة بعد كل واقعة. وتصبح إدارة المخاطر أكثر فاعلية حين تكون قريبة من متخذ القرار، لا حبيسة ملف إداري بعيد عن العمل اليومي.

  وفي الختام، فإن القانون وإدارة المخاطر يلتقيان في غاية واحدة: حماية الإنسان والخدمة والمصلحة العامة قبل وقوع الضرر. فالقانون يحدد الواجبات، وإدارة المخاطر تكشف مواضع الضعف، والوعي يحول الوقاية إلى عادة. والمجتمع الذي ينتقل من رد الفعل إلى حسن الاستعداد يملك فرصة أفضل لحماية موارده، واستمرار خدماته، وصون كرامة أفراده. فالمستقبل لا تصنعه النوايا الحسنة وحدها، بل تصنعه معلومة دقيقة، وخطة قابلة للتنفيذ، ومسؤولية تبدأ في الوقت المناسب.

زر الذهاب إلى الأعلى