
يبحث الكثير من الشباب عن التميّز في الدراسة والعمل، وبالتأكيد عن التميّز في الحياة، لكن أكثرهم يبدأ من المكان الخطأ؛ فهم غالبًا ما يبدأ بحثهم من الخارج:
يبحثون عن مهارة جديدة، فرصة عمل أفضل، شهادة إضافية، أو بيئة أكثر دعمًا، هذا بالتأكيد مهم وضروري، لكنه ليس نقطة التركيز وخط البداية الصحيح.
التميّز الحقيقي يبدأ من مكان أقرب وأعمق من ذلك بكثير، ما هو هذا المكان؟
إنه: قدرتك على إدارة ذاتك.
اليوم تتشابه الفرص، والوقت متاح للجميع، فالساعات والدقائق هي نفسها، لن تزيد لحظة، ولا تنقص أقل من ذلك ولا أكثر، إذن ما الذي يختلف؟
إنها النتائج، لأن الفارق بين إنسان وآخر ليس مقدار ما يملكه أيٌّ منهم، بل الفارق يظهر واضحًا وصارخًا في الطريقة التي يدير بها الإنسان ما يمتلكه.
وإذا كان أغلى وأهم وأعظم ما نملك هو ذاتنا، إذن الفارق سيكمن في الطريقة التي ندير بها هذه الذات.
إدارة الذات ليست محاولة للسيطرة على الحياة بكل تفاصيلها؛ فالحياة مليئة بالمتغيرات التي لا نملك التحكم فيها، لكنها تعني أن يدير الإنسان استجابته لما يحدث، وأن يوجّه انتباهه وطاقته وقراراته نحو ما يراه مهمًّا.
وهنا تتشكل الفكرة المحورية:
لا يبدأ التميّز من امتلاك ظروف مثالية، بل من إدارة واعية للإمكانيات المتاحة.
ما الذي يديره الإنسان فعليًا؟
يظن الكثير منا أن مصطلح إدارة الوقت يعني القدرة على التحكم بالزمن وتوظيفه لصالحنا، لكن الحقيقة أن الوقت سيمضي سواء أحسنا استخدام مواردنا خلاله أم لا، والواقع أننا لا نستطيع التحكم الكامل في الظروف، فالمستقبل يقوده عدم اليقين، والتوقعات، والبصائر الحرة، وأيضًا لن نتمكن من السيطرة على قرارات الآخرين بشكل مطلق، ولن نمتلك القوة الكافية للحصول على جميع النتائج التي نريدها ونفضلها.
إذن مع هذا كله، أين تتحرك قوتنا، وقدرتنا، وأين يمكننا التحكم والإدارة، وكيف نبني مسارنا الصحيح لنكون مؤثرين أكثر من متأثرين؟
الجواب في تحديد ما نستطيع فعلًا التحكم به وإدارته، ضمن حدود ذاتنا، وفي سبيل تحقيق التميّز والتقدم وامتلاك الفرصة الحقيقية للريادة والقيادة:
ما يستطيع الإنسان إدارته فعلًا هو:
- انتباهه: إلى ماذا يوجّه تركيزه واهتمامه؟
- طاقته: أين يستثمر جهده؟
- أولوياته: ما الذي يقدمه، وما الذي يؤجله؟
- سلوكياته: كيف يستجيب للموقف؟
- قراراته: ما الذي يختاره عندما تتعدد الخيارات؟
- عاداته: ما الذي يكرره حتى يصبح جزءًا من شخصيته؟
عندما يحاول كل منا الإجابة عن سلسلة الأسئلة السابقة، فإننا نبني بذلك أساسًا ننطلق منه نحو قمم من الإنجازات تعلو فوق وديان الفشل، وترفع قيمتنا وأهميتنا، لتجلس على عرش الأثر.
ومن هنا، فإن إدارة الذات لا تعني أن تنجز عددًا أكبر من المهام فقط، بل أن تصبح أكثر وعيًا بما يستحق أن يُنجز، وأكثر قدرة على تحويل ما تؤمن به إلى ممارسة يومية، تنقلك من صفوف التبعية إلى ظهر خيول القادة.
واعلم، واعلمي، أن إدارة الذات ليست صفة يولد بها بعض الناس ويُحرم منها آخرون، إدارة الذات قدرة تتطور بالتدريب والتجريب، وتحكمها المثابرة، ويحميها الإصرار، بالتالي يمكنك تطوير هذه القدرة وجعلها ذخيرتك الأساسية في معركتك مع الشكوك والمشتتات والملهيات التي تفترس وقتك على حساب إنجازك.
هل أنت من المهتمين بمعرفة مسار تطور إدارة الذات، وكيف نبدأ الرحلة ونسير فيها حتى محطتها الأخيرة؟
إذن انتظر المقال القادم.








