مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الإعلام الاجتماعي بين الوعي واللاوعي

مقالات للرأي

سواء وافقنا أم اعترضنا لم يعد الإعلام الاجتماعي مجرد فضاء افتراضي للتواصل وتبادل الخبرات، بل تحوّل إلى أحد أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة الاتجاهات، وتوجيه السلوك الإنساني، أحيانًا بوعيٍ وإدراك، وأحيانًا أخرى في مناطق خفية من اللاوعي لا ينتبه إليها المستخدم. وبين هذين المستويين، يقف الإنسان المعاصر أمام تحدٍّ حقيقي:
🔸هل ما يستهلكه المتلقي عبر الشاشات نابع من اختياره الحر، أم أنه نتاج توجيه خفي يُدار بعناية؟

🔸في الأصل، وُلدت وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها منصات لتبادل المعرفة، وتعزيز الحوار، وكسر احتكار المعلومة، وتمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم. غير أن هذا الهدف النبيل سرعان ما تراجع أمام طوفان من ( الغيبة والنميمة) ونشر الفضائح، وترويج الأخبار الكاذبة، وبث الشائعات المغرضة التي تنخر في جسد المجتمع بلا رحمة.
🔸لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة هدم أخلاقي ومعرفي، تُستخدم لتشويه الأفراد، وزعزعة الثقة، وضرب القيم، وإرباك العقول.
🔸الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى الرقمية لم تعد عفوية أو نتيجة أخطاء فردية فقط، بل بات واضحًا وجود ما يمكن تسميته بـ«كتائب إلكترونية» و«ميليشيات سيبرانية» جرى تجنيدها وتوجيهها للقيام بمهمة تشويه هذا المجتمع أو ذاك لصناعة وعي زائف، وتوجيه الرأي العام عبر التضليل المتعمد.
🔸 تعمل هذه الكيانات وفق أجندات سياسية و اقتصادية أو أيديولوجية، مستفيدة من سرعة الانتشار، وضعف التحقق، وحالة الإدمان الجماعي على الشاشات، لتصنع واقعًا افتراضيًا مشوهًا يفرض نفسه تدريجيًا على الواقع الحقيقي!
🔸في هذا السياق، يصبح الإعلام الاجتماعي أداةً تخاطب اللاوعي أكثر مما تخاطب العقل. فالخوارزميات لا تكافئ الحقيقة أو العمق، بقدر ما تكافئ الإثارة والانفعال، وتضخّم المحتوى الصادم، وتغذي مشاعر الخوف والغضب والفضول ومع التكرار، تتحول الأكاذيب إلى “مسلّمات”، والشائعات إلى “حقائق”، بينما يظن المستخدم أنه يختار بحرية، في حين أنه يتحرك داخل (فقاعة رقمية) أو غرفة صدى صُممت بعناية لتوجيه اهتماماته ومواقف !.
🔸ومن أخطر الظواهر التي أفرزها هذا الواقع، صعود ما يُعرف بـ«الرويبضة»، أولئك الذين وصفهم الحديث الشريف بأنهم “توافه القوم يتكلمون في أمر العامة”. لقد فتحت المنصات الرقمية المجال واسعًا أمام من لا علم لهم ولا خبرة، ليتصدروا المشهد، ويفتوا في قضايا السياسة والاقتصاد والدين والطب، ويُقدَّموا بوصفهم خبراء ومحللين ومؤثرين، بينما هم في الحقيقة يفتقرون إلى أبسط أدوات المعرفة.
ازدحمت الشاشات بأمثالهم، يتحدثون بثقة زائفة، ويقولون عكس ما يبطنون، ويسعون إلى كسب تصديق العوام، وهم يروّجون – عن قصد أو جهل – للسطحية والتضليل.

🔸الرويبضة ليست ظاهرة جديدة، أنهم موجودون في كل زمان ومكان، لكن الجديد اليوم هو حجم المنصة التي يقفون عليها، وسهولة الوصول إليهم، وتأثيرهم المتضخم بفعل خوارزميات تكافئ الضجيج لا القيمة.
نراهم يتكلمون في السياسة دون فهم للسياقات أو إدراك لتعقيدات الواقع، ويخوضون في موضوعات مصيرية تحتاج إلى متخصصين، فيختزلونها في شعارات ساذجة وتحليلات سطحية. ونراهم كذلك في مجالات أشد خطورة، كالصحة والطب، حيث يدّعي بعضهم المعرفة، وينصبون على البسطاء عبر قنوات “تحت السلم”، تجذب الدجالين والمشعوذين، وتستغل آلام الناس وأحلامهم، فيوهمون بعلاجات ضارة ، أو وصفات سحرية، أو وعود زائفة بإنجاب متعثر، أو شفاء مريض، أو استعادة فحولة ضائعة.

🔸أمام هذا المشهد المأزوم، نؤكد من جديد على أهمية الدعوة التي تبنتها الدكتورة منى الحديدي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، في شكل مبادرة «يوم بلا شاشات».
هذه المبادرة لا تعادي التكنولوجيا، ولا تدعو إلى القطيعة مع العصر، بل تسعى إلى دق ناقوس الخطر، والتنبيه إلى أن السوشيال ميديا تحولت لدى كثيرين إلى ما يشبه (المخدرات ) من حيث الإدمان والانتشار، وتأثيرها العميق في الوعي والسلوك والعلاقات الإنسانية. يوم واحد بلا شاشات قد يبدو فكرة بسيطة، لكنه يحمل دلالة رمزية قوية، تذكرنا بأننا ما زلنا قادرين على استعادة التوازن، والإنصات لأنفسنا، والتفكير بعيدًا عن الضجيج الرقمي.

هذا الواقع يفرض سؤالًا جوهريًا: من المسؤول عن إنقاذ المجتمع من هذا الغث الإعلامي والأخلاقي؟
🔸 هل الأسرة التي تراجع دورها التربوي وتركَت الأبناء نهبًا للشاشات؟ 🔸أم المدرسة التي غابت عنها التربية الإعلامية والتفكير النقدي؟
🔸 أم المسجد والكنيسة اللذان يحتاجان إلى خطاب ديني معاصر يواجه التضليل ويحصّن العقول؟
🔸 أم الإعلام التقليدي الذي فقد جزءًا من مصداقيته وترك الساحة للمنصات العشوائية؟
🔸 أم قادة الرأي والنخب الفكرية الذين انسحب بعضهم من المشهد وتركوا المجال للسطحيين؟

🔸الحقيقة ياسادة أن المسؤولية جماعية ومشتركة، ولا يمكن اختزالها في طرف واحد. نحن بحاجة إلى وعي مجتمعي شامل، وإلى تربية إعلامية تبدأ من البيت، وتُعزَّز في المدرسة، ويقودها إعلام مهني مسؤول، ويشارك فيها المثقفون وقادة الرأي بفاعلية.
كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وإلى تعليم الناس كيف يفرّقون بين الرأي والمعلومة، وبين الخبر والشائعة، وبين المتخصص والدجال.

🔸في النهاية، الإعلام الاجتماعي ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا، بل أداة تعكس مستوى الوعي لدينا . فإذا تُرك لعالم اللاوعي، تحوّل إلى سلاح هدم وتشويه، وإذا أُحسن استخدامه بوعي ومسؤولية، يمكن أن يكون وسيلة للبناء والمعرفة.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست مع الشاشات، بل مع الوعي الإنساني نفسه: إما أن نمتلكه، أو نتركه يُصادَر دون أن نشعر !

زر الذهاب إلى الأعلى