د. أحمد أبو سيد: التغير المناخي يعيد تسعير العالم… ومصر أمام اختبار الفرصة والخطر
متابعات يوتوبيا

أكد أن الأزمة لم تعد ملف بيئي منفصلا بل قضية تمس الغذاء والمياه والطاقة والتخطيط العمراني والأمن الاقتصادي
حذر الدكتور المهندس أحمد أبو سيد من اختزال قضية التغير المناخي في ارتفاع درجات الحرارة مؤكدًا أن العالم يواجه تحولًا أعمق يعيد تشكيل الاقتصاد وأنماط الإنتاج وتوزيع الموارد ويضع الدول أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية مجتمعاتها والاستفادة من الفرص التي يخلقها الاقتصاد الأخضر.
وقال أبو سيد : في قراءة تحليلية لأبعاد الأزمة المناخية، إن التغير المناخي لن يصل إلى المواطن العادي في صورة تقرير علمي أو رسم بياني وإنما سيظهر في تفاصيل حياته اليومية من فاتورة كهرباء أعلى ومحاصيل أقل وأسعار غذاء متزايدة إلى موجات حر تعطل العمل ومدن تعجز شبكاتها عن استيعاب الأمطار والسيول.
وأضاف: «المناخ ليس ترمومتر معلق على جدار الكوكب بل هو النظام الذي ينظم دورة المياه ومواسم الزراعة، وحركة الرياح ومستويات البحار وتوزيع الموارد. وعندما يختل هذا النظام لا ترتفع الحرارة وحدها بل ترتفع معها تكلفة الغذاء والطاقة والتأمين والبنية الأساسية».
وأوضح أن أخطر ما يحدث حاليا هو أن العالم بدأ يدخل مرحلة يمكن وصفها بأنها «إعادة تسعير مناخية»، إذ أصبحت قطرة الماء والمتر الساحلي وساعة العمل وكمية المحصول وكفاءة شبكات الكهرباء جميعها تحمل تكلفة جديدة مرتبطة بتغير المناخ.
النشاط البشري غيّر توازن طبيعي
وبيّن أبو سيد أن تأثير الاحتباس الحراري في أصله ظاهرة طبيعية ضرورية لاستمرار الحياة على الأرض إذ يحتفظ الغلاف الجوي بجزء من حرارة الشمس لكن المشكلة بدأت عندما أدت الأنشطة البشرية إلى تغيير التوازن الطبيعي لهذه الظاهرة.
وأشار إلى أن حرق الفحم والنفط والغاز وإزالة الغابات والتوسع الصناعي والعمراني وبعض أنماط الزراعة والإنتاج ساهمت في زيادة تركيز غازات الدفيئة وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز.
وأضاف أن الآلية العلمية يمكن تبسيطها في سلسلة مترابطة تبدأ بزيادة الأنشطة البشرية ثم ارتفاع الانبعاثات وزيادة قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالحرارة وصولًا إلى ارتفاع درجات الحرارة وانتقال التأثير إلى المحيطات والأنهار والتربة والزراعة والمدن.
ولفت إلى أن التقرير التجميعي الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ حسم جوهر القضية، بعدما أكد أن الأنشطة البشرية، وخصوصًا انبعاثات غازات الدفيئة، تسببت بصورة لا لبس فيها في الاحترار العالمي.
وقال أبو سيد: «لم يعد السؤال الجاد هو ما إذا كان التغير المناخي يحدث أم لا وإنما مدى سرعته ومن سيدفع تكلفته وأي الدول ستكون أكثر استعدادا للتعامل معه».
وأوضح أن الحديث عن ارتفاع متوسط حرارة الأرض بدرجة أو درجتين قد يبدو بسيطًا لغير المتخصص لكنه في الحقيقة يعكس إضافة كميات هائلة من الطاقة إلى نظام مناخي بالغ التعقيد.
وتابع: «الدرجة الواحدة في مناخ الأرض ليست رقم صغير لأنها لا تظهر فقط في حرارة يوم صيفي بل في تغير مواسم الأمطار وزيادة احتمالات الجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى البحار وتراجع إنتاجية بعض المحاصيل واتساع الضغوط على شبكات الكهرباء والمياه».
المناخ يضرب الاقتصاد في سلاسل مترابطة
وأكد أبو سيد أن آثار التغير المناخي لا تصل إلى الاقتصاد منفردة بل تتحرك في صورة سلاسل متداخلة بحيث يقود كل تأثير إلى مجموعة أخرى من التداعيات.
فموجة الحر وفقا لتحليله لا تعني مجرد ارتفاع درجة الحرارة وإنما تؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء والضغط على الشبكات وتراجع إنتاجية العمال، وزيادة استهلاك المياه وارتفاع المخاطر الصحية.
كما أن الجفاف لا يتوقف تأثيره عند نقص الأمطار بل يمكن أن يؤدي إلى انخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع دخول المزارعين وزيادة الاستيراد ثم الضغط على العملة والموازنة العامة.
أما ارتفاع مستوى البحر فلا يهدد الشواطئ فقط وإنما يعيد تقييم العقارات والموانئ والطرق والمناطق الصناعية وشبكات الصرف ويضع الحكومات أمام استثمارات ضخمة لحماية المدن أو إعادة تخطيطها.
واستشهد أبو سيد بما كشفه تقرير المنظمة العالمية للارصاد الجوية عن موارد المياه من أن احتياطيات المياه الطبيعية بما فيها المياه الجوفية والأنهار والكتل الجليدية تتعرض لضغوط متزايدة بينما أظهرت مستويات تخزين المياه على اليابسة اتجاه هبوطي ممتد خلال العقد الأخير.
وقال إن هذه الاحتياطيات كانت تمثل ما يشبه «حساب التوفير الطبيعي» الذي يحمي المجتمعات من سنوات الجفاف لكن استمرار استنزافها يعني أن موسم سيئ واحدًا قد يتحول بسرعة إلى أزمة غذاء أو مياه أو طاقة.
الدول الأقل مسؤولية قد تدفع الثمن الأكبر
وأشار أبو سيد إلى أن أزمة المناخ تطرح أيضا سؤالا يتعلق بالعدالة الدولية لأن تكلفة التغير المناخي لا تتوزع بالتساوي بين الدول والمجتمعات.
وأوضح أن كثيرا من الدول النامية التي لم تسهم بالنصيب الأكبر في تراكم الانبعاثات التاريخية تجد نفسها اليوم أكثر تعرض للجفاف والفيضانات ونقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء بينما تفتقر إلى التمويل والتكنولوجيا اللازمة للتكيف.
وأضاف أن الدول الغنية تستطيع تمويل الحواجز البحرية وتطوير شبكات الكهرباء وتعويض المزارعين وتحديث المدن في حين تضطر الدول الأفقر إلى مواجهة المخاطر المناخية بالموارد نفسها التي تستنزفها تلك المخاطر.
وقال: «لهذا لا يمكن التعامل مع التغير المناخي باعتباره قضية علمية فقط فهو أيضًا قضية عدالة وتمويل وقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا».
التخفيف والتكيف مساران لا غنى عن أحدهما
وفي ما يتعلق بسبل المواجهة أكد أبو سيد أن التعامل مع التغير المناخي يحتاج إلى مسارين متوازيين: الأول هو التخفيف من أسباب الأزمة والثاني هو التكيف مع آثارها التي أصبحت واقعًا بالفعل.
وأوضح أن التخفيف يشمل تقليل الانبعاثات ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة منخفضة الكربون وحماية الغابات والنظم البيئية وتطوير وسائل النقل والصناعة الأقل استهلاك للوقود.
أما التكيف فيشمل بناء مدن أكثر قدرة على تحمل الحرارة والسيول وتطوير محاصيل تناسب الظروف المناخية المتغيرة وتحسين إدارة المياه وتقوية شبكات الكهرباء وإنشاء أنظمة إنذار مبكر قادرة على الوصول إلى السكان قبل وقوع الكوارث.
وأضاف: «التخفيف يمنع المشكلة من أن تصبح أسوأ بينما يمنع التكيف آثارها الحالية من التحول إلى كوارث. ولا يمكن لدولة أن تختار أحد المسارين وتترك الآخر».
وشدد على أن نجاح السياسات المناخية لا ينبغي أن يقاس بعدد المؤتمرات أو الاستراتيجيات المنشورة وإنما بنتائج محددة يمكن التحقق منها مثل حجم الانخفاض في استهلاك الطاقة ونسب الفاقد في شبكات المياه وعدد المدن التي أعادت تقييم مخاطرها وعدد المواطنين المشمولين بأنظمة الإنذار المبكر.
وقال أبو سيد: «السياسة المناخية التي لا يمكن قياس نتائجها قد تتحول بسهولة إلى علاقات عامة مطلية باللون الأخضر».
التحول الأخضر يعيد رسم خريطة الاستثمار
ورفض أبو سيد تصوير التحول نحو الطاقة النظيفة باعتباره تنازل اقتصادي تقدمه الدول من أجل البيئة مؤكدا أن العالم يشهد بالفعل إعادة هيكلة واسعة لأسواق الطاقة والصناعة والتمويل.
وأشار إلى أن تقرير الاستثمار العالمي في الطاقة لعام ٢٠٢٦ الصادر عن وكالة الطاقة الدولية يتوقع وصول استثمارات الطاقة عالميًا إلى نحو 3.4 تريليون دولار منها قرابة 2.2 تريليون دولار تتجه إلى شبكات الكهرباء والتخزين والطاقة المتجددة والطاقة النووية والوقود منخفض الانبعاثات وكفاءة الطاقة والكهرباء مقابل نحو 1.2 تريليون دولار للنفط والغاز والفحم.
وقال إن هذه الأرقام تؤكد أن الاقتصاد العالمي الجديد لا ينتظر انتهاء الخلافات السياسية حول المناخ موضحًا أن رؤوس الأموال بدأت بالفعل في التحرك نحو القطاعات التي يُتوقع أن تقود المرحلة المقبلة.
وأضاف أن المنافسة الحقيقية لم تعد بين أنصار النفط وأنصار الطاقة الشمسية وإنما بين الدول التي ستملك التكنولوجيا وتصنع البطاريات وتطور الشبكات وتنتج الهيدروجين وتبني موانئ الطاقة الجديدة وتلك التي ستظل تكتفي باستيراد المعدات والحلول.
وحذّر في الوقت نفسه من الافتراض أن التحول الأخضر سيكون عادل بصورة تلقائية إذ يمكن أن ينشئ أشكال جديدة من التبعية إذا احتكرت مجموعة محدودة من الدول التكنولوجيا والتمويل والمعادن الضرورية للصناعات الحديثة.
وأضاف: «امتلاك الشمس ليس خطة صناعية ووجود الرياح ليس استراتيجية تصدير. الطبيعة تمنح الموارد لكن المؤسسات والتعليم والتكنولوجيا والسياسات المستقرة هي التي تحولها إلى قيمة اقتصادية».
مصر أمام فرصة مشروطة
وعن موقع مصر والعالم العربي من التحول المناخي قال أبو سيد إن المنطقة لا ينبغي أن تحصر تفكيرها في كيفية حماية نفسها من المخاطر وإنما عليها أن تبحث أيضًا عن موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد.
وأوضح أن المنطقة العربية تمتلك موارد شمسية ورياح وموانئ وممرات بحرية ومواقع جغرافية مهمة إلى جانب توافر رأس المال في بعض الدول والعمالة والخبرات الصناعية في دول أخرى.
إلا أنه شدد على أن هذه المقومات ستظل إمكانات غير مكتملة إذا لم تتحول إلى مشروع اقتصادي إقليمي يجمع بين الطاقة والتصنيع والتمويل والبحث العلمي وتطوير المهارات.
وأضاف أن مصر على وجه الخصوص مطالبة بالتعامل مع المناخ باعتباره ملف عابر للوزارات والقطاعات يربط بين إدارة المياه والزراعة والطاقة والنقل والصناعة والتخطيط العمراني.
وقال: «لا يمكن أن تعمل كل جهة وكأن المناخ شأن يخص وزارة البيئة وحدها فالقرار الزراعي قرار مائي والقرار العمراني قرار طاقة، والقرار الصناعي قرار يتعلق بالانبعاثات والتنافسية والقدرة على التصدير».
وأشار إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة لن يحقق القيمة الاقتصادية الكاملة إذا اقتصر على توليد الكهرباء باستخدام معدات مستوردة مؤكدًا أن الفرصة الحقيقية تبدأ من المشاركة في سلاسل التصنيع والصيانة والهندسة والتخزين والبحث والتطوير.
كما أوضح أن الموقع الجغرافي لمصر لا يتحول تلقائيًا إلى ميزة تنافسية بل يحتاج إلى موانئ متطورة وشبكات كهرباء أكثر مرونة وتشريعات مستقرة وتمويل طويل الأجل ومؤسسات قادرة على تنفيذ المشروعات في مواعيدها.
وأضاف: «الدول لا تصبح خضراء لأنها تضع كلمة الأخضر على أسماء مشروعاتها وإنما عندما يتحول خفض الهدر ورفع الكفاءة وحماية الموارد إلى منطق يومي للإدارة والإنتاج».
لا تهويل ولا إنكار
ودعا أبو سيد إلى بناء الخطاب المناخي على العلم وإدارة المخاطر بعيدًا عن التهويل أو الإنكار.
وقال إن تحويل كل ظاهرة جوية إلى إعلان عن نهاية العالم يضر بثقة الجمهور في العلم تماما كما أن استغلال أي قدر من عدم اليقين لإنكار المشكلة يمثل موقفًا غير مسؤول.
وأوضح أن العلم لا يقول إن كل عاصفة أو موجة حر سببها التغير المناخي وحده لكنه يستطيع تحديد كيف يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تغيير احتمالات بعض الظواهر وشدتها ومدتها.
وأضاف: «عدم اليقين ليس مبررًا للشلل. نحن نؤمّن المنازل والمصانع ضد مخاطر قد لا تقع، لأن تكلفة تجاهل الخطر قد تكون أكبر كثيرًا من تكلفة الاستعداد له».
وأكد أن المطلوب ليس إثارة الذعر وإنما الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الأزمات إلى إدارة استباقية للمخاطر، تعتمد على المعلومات الدقيقة والتخطيط والقدرة على التنفيذ.
واختتم أبو سيد تحليله بالتأكيد على أن التغير المناخي يمثل لحظة فرز تاريخية بين الدول فبعضها سيتعامل معه باعتباره تكلفة مفروضة بينما ستستخدمه دول أخرى لبناء صناعات ومهارات ومصادر قوة جديدة.
وقال: «المستقبل لن يكون بالضرورة ملك الدول التي تمتلك أكبر احتياطي من الوقود ولا التي ترفع أعلى الشعارات البيئية؛ بل سيكون ملك الدول التي تفهم اتجاه التحول وتحمي شعوبها من تكلفته وتستثمر مبكرًا في فرصه».
وأضاف: «التغير المناخي لا يعيد تشكيل الطبيعة وحدها بل يعيد ترتيب الاقتصاد والجغرافيا وموازين القوة. والسؤال لم يعد ما إذا كان العالم سيتغير فقد بدأ التغيير بالفعل. السؤال هو: هل سنظل نراقبه أم سنعرف كيف نصنع مكاننا داخله؟».










