Uncategorized

د راندا رزق تكتب: جامعة القاهرة من إدارة الموارد إلى صناعة الأثر: رؤية لجامعة تصنع المعرفة والتنمية

مقالات للرأي

.

حين نتحدث عن جامعة القاهرة، فإننا نتحدث عن مؤسسة لا تقف رسالتها عند حدود قاعات الدراسة أو منح الدرجات العلمية، وإنما تمتد إلى قدرتها على تحويل ما تمتلكه من معرفة وموارد وبحث علمي وطاقات بشرية إلى أثر حقيقي ومستدام في المجتمع.

وقد أعادتني كلمة الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، خلال لقائه بكلية التربية النوعية، إلى سؤال أراه محوريًا في هذه المرحلة: كيف تتحول الجامعة من إدارة مواردها إلى تعظيم قيمتها، ومن تقديم الخدمة إلى صناعة الأثر؟

فالمحاور التي تناولها رئيس الجامعة، بدءًا من تعظيم موارد الجامعة والحفاظ عليها وتنمية مواردها الذاتية، مرورًا بتطوير البرامج والتخصصات ومواكبة الذكاء الاصطناعي، ووصولًا إلى ربط البحث العلمي بالصناعة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ودعم الابتكار وريادة الأعمال؛ لا ينبغي النظر إليها كملفات منفصلة، بل باعتبارها مكونات لرؤية واحدة لجامعة أكثر قدرة على المنافسة وأكثر ارتباطًا بالمجتمع.

الجامعة ورأس المال الذي لا ينضب

تمتلك الجامعات موردًا يفوق في قيمته كثيرًا من الأصول المادية، وهو الإنسان والمعرفة.

فالطالب ليس مجرد متلقٍ للخدمة التعليمية، وعضو هيئة التدريس ليس ناقلًا للمعرفة فقط، والبحث العلمي ليس منتجًا ينتهي بالنشر.

هذه العناصر مجتمعة تمثل رأس مال معرفيًا وبشريًا يمكن استثماره في التنمية.

ومن هنا تكتسب الدعوة إلى تعظيم موارد الجامعة معنى أوسع من البعد المالي. فتعظيم الموارد يعني أيضًا تعظيم الاستفادة من المعامل والوحدات والخبرات والتخصصات والبحوث والابتكارات، والأهم من ذلك طاقات الطلاب وقدرتهم على المشاركة في صناعة التغيير.

البحث العلمي حين يغادر الرفوف

ومن الأفكار المهمة التي طرحها رئيس الجامعة ضرورة تعزيز الصلة بين البحث العلمي والصناعة والقطاع الإنتاجي.

وهذا، في تقديري، أحد المفاتيح الحقيقية لتطوير الدور التنموي للجامعة.

فالبحث الذي يبدأ من مشكلة حقيقية في مصنع أو مدرسة أو مؤسسة أو مجتمع، ثم يستخدم المعرفة العلمية لإنتاج حل قابل للتطبيق، لا يحقق قيمة أكاديمية فقط، بل يصنع قيمة اقتصادية ومجتمعية.

وعندها تصبح العلاقة بين الجامعة والقطاع الخاص مختلفة: ليست جهة تطلب التمويل وأخرى تقدمه، وإنما شريكان في تحديد المشكلة وصناعة الحل وقياس النتيجة.

وهذا هو الانتقال الذي نحتاج إليه أيضًا في مفهوم المسؤولية المجتمعية؛ من تمويل الأنشطة إلى الاستثمار في الحلول والأثر.

من المسؤولية المجتمعية إلى الاستثمار المجتمعي

لسنوات طويلة ارتبطت المسؤولية المجتمعية بعدد المبادرات، وحجم التمويل، وعدد المستفيدين. وكلها مؤشرات مهمة، لكنها لم تعد كافية.

السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ماذا تغير؟

إذا تم تدريب ألف طالب، فكم منهم اكتسب مهارة حقيقية؟ وإذا موّلنا مشروعًا لريادة الأعمال، فكم مشروعًا استطاع الاستمرار؟ وإذا نفذنا حملة توعية، فهل تغير السلوك؟ وإذا شارك الطلاب في خدمة المجتمع، فما الأثر الذي تحقق لدى الطالب والمجتمع معًا؟

إنها نقلة من قياس النشاط إلى قياس الأثر.

وهنا يمكن للجامعة أن تكون واحدة من أهم البيئات المصرية لبناء نموذج حقيقي للاستثمار المجتمعي القائم على الأثر؛ لأنها تجمع في مكان واحد الباحث والطالب والخبرة العلمية والمعامل والتخصصات والمجتمع المحيط.

«أثر»… الاسم الذي يلخص الفلسفة

ولعل اختيار جامعة القاهرة اسم «أثر» لمنصتها للمشاركة المجتمعية يحمل دلالة تتجاوز الاسم ذاته.

فالمنصة التي أطلقتها جامعة القاهرة في إطار رؤية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق لتنظيم وتوثيق المشاركة المجتمعية للطلاب يمكن البناء عليها للانتقال إلى مستوى أكثر تقدمًا: قياس أثر هذه المشاركة.

فالمستقبل هنا ليس في تسجيل عدد ساعات التطوع وحده، وإنما في معرفة ما الذي أحدثته هذه الساعات.

كم مواطنًا استفاد؟ ما المشكلة التي ساهم الطلاب في معالجتها؟ ما المهارات التي اكتسبها الطالب؟ وهل استمر التغيير بعد انتهاء النشاط؟

عندها تصبح «أثر» أكثر من منصة للمشاركة؛ تصبح جزءًا من ثقافة جامعية جديدة تجعل الأثر معيارًا للنجاح.

التربية النوعية وصناعة أثر من نوع مختلف

وبالنسبة لكلية التربية النوعية، فإن هذه الرؤية تفتح أمامنا مساحة واسعة للعمل.

لدينا الإعلام التربوي بفروعه المختلفة، والمسرح والدراما، والصحافة، والإذاعة والتليفزيون، ولدينا التربية الفنية والتربية الموسيقية والعلوم النفسية والتربوية. وهذه التخصصات ليست فقط مجالات للتدريس، وإنما أدوات لبناء الوعي وتغيير السلوك وترسيخ الهوية وتحسين جودة الحياة.

يمكن للمسرح أن يحمل رسالة تنموية، وللفن أن يعيد تشكيل الوعي البيئي والمجتمعي، وللموسيقى أن تكون أداة للدمج، وللإعلام التربوي أن يقود حملات توعية، وللبحث النفسي والتربوي أن يساعد في معالجة مشكلات حقيقية في المدارس والمجتمع.

وهنا يصبح التخصص الأكاديمي نفسه أداة لصناعة الأثر.

الذكاء الاصطناعي والاستثمار في الإنسان

كما أن ما طرحه رئيس الجامعة بشأن مواكبة الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي يضع أمام الجامعات مسؤولية مزدوجة.

فنحن بحاجة إلى خريج قادر على استخدام التكنولوجيا، ولكننا نحتاج أيضًا إلى إنسان قادر على توظيفها بمسؤولية وإبداع.

والذكاء الاصطناعي لا يخص تخصصًا أكاديميًا واحدًا؛ بل يمكن أن يدخل في الإعلام والفنون والموسيقى والتعليم والبحث العلمي وإدارة المؤسسات وقياس الأثر المجتمعي.

ومن هنا فإن تحديث البرامج يجب ألا يكون مجرد إضافة مقرر يحمل اسمًا حديثًا، وإنما إعادة التفكير في المهارات التي يحتاجها الخريج في عالم سريع التغير.

تعظيم الموارد هو تعظيم القيمة

تنمية الموارد الذاتية للجامعة ضرورة لضمان استدامة التطوير، لكنني أرى أن مفهوم تعظيم الموارد يجب أن يظل مرتبطًا بتعظيم القيمة.

فالمعمل غير المستخدم مورد مهدَر، والبحث الذي لا يصل إلى المستفيد فرصة مهدرة، والخبرة الأكاديمية التي لا تتصل بالمجتمع مورد غير مستثمر، والطالب الذي لا نتيح له مساحة للمشاركة والابتكار طاقة لم نستفد منها بعد.

لذلك فإن تعظيم الموارد الحقيقي هو أن نجعل كل أصل، وكل معرفة، وكل تخصص، وكل موهبة داخل الجامعة قادرًا على إنتاج قيمة.

وفي الوقت ذاته، تظل العدالة وتكافؤ الفرص جزءًا أصيلًا من هذه المعادلة، بما في ذلك دعم الطلاب غير القادرين، وعدم السماح بأن تصبح محدودية الإمكانات عائقًا أمام طالب يمتلك القدرة والطموح.

الجامعة والقطاع الخاص… من الرعاية إلى الشراكة

وتفتح هذه الرؤية كذلك بابًا مهمًا أمام إعادة صياغة العلاقة مع القطاع الخاص.

نحتاج إلى الانتقال من رعاية فعالية إلى شراكة تنموية؛ ومن تمويل نشاط إلى تمويل مشروع له أهداف ومؤشرات ونتائج؛ ومن تقديم تدريب قصير إلى بناء مسارات حقيقية للتأهيل والتشغيل والابتكار.

فالقطاع الخاص يمتلك التمويل والتكنولوجيا والخبرة بالسوق، والجامعة تمتلك المعرفة والبحث والعقول الشابة.

وعندما يلتقي الاثنان حول مشكلة حقيقية وهدف تنموي واضح، يمكن أن تتضاعف القيمة التي يقدمها كل طرف.

جامعة القاهرة… تنافس عالمي وأثر محلي

لا أرى تعارضًا بين طموح جامعة القاهرة إلى تعزيز مكانتها وتنافسيتها الدولية وبين رسالتها تجاه المجتمع.

بل إن الجامعة القوية عالميًا يجب أن تكون قوية في أثرها محليًا.

فالتصنيف الدولي، وجودة البحث، والبرامج الحديثة، والشراكات، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، وتنمية الموارد، وخدمة المجتمع ليست جزرًا منفصلة.

إنها أجزاء من سؤال واحد:

ما القيمة التي تضيفها الجامعة للإنسان وللدولة وللمجتمع؟

ومن هنا، فإن ما طرحه الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، خلال لقائه بكلية التربية النوعية، يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى مرحلة تتجاوز إدارة الموارد إلى تعظيم قدرة الجامعة على صناعة القيمة والأثر.

وأعتقد أن مسؤوليتنا داخل الكليات ليست فقط أن نتلقى هذه الرؤية، وإنما أن نحولها إلى برامج ومشروعات وشراكات قابلة للتنفيذ والقياس والاستدامة.

لأن الجامعات لا تُقاس فقط بعدد ما تقدمه من محاضرات أو برامج أو أنشطة، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تصنعه من معرفة وفرص وحلول وتغيير.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام كل برنامج وبحث وشراكة ومبادرة داخل الجامعة بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالته:

ما الأثر الذي سنتركه؟

فمن هنا تبدأ صناعة الأثر، ومن هنا تتجدد رسالة جامعة القاهرة؛ جامعة تستثمر في الإنسان، وتصنع المعرفة، وتربط العلم بالمجتمع، وتحول مواردها إلى قيمة وتنمية مستدامة.

أ.د. راندا رزق
وكيل كلية التربية النوعية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة – جامعة القاهرة

زر الذهاب إلى الأعلى