د. راندا رزق تكتب: من «أتعلم أتنور» إلى الذكاء الاصطناعي… كيف تغيّر مفهوم محو الأمية خلال عشرين عامًا؟
مقالات للرأي

في الثامن من سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي لمحو الأمية، وهي مناسبة تتجاوز في دلالتها القدرة على القراءة والكتابة، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف نجعل المعرفة حقًا متاحًا للجميع، وأداة للتمكين وبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة؟
أعلنت اليونسكو اليوم الدولي لمحو الأمية عام 1966، وبدأ الاحتفال به عالميًا في العام التالي، لتظل قضية محو الأمية حاضرة على أجندة الحكومات والمجتمع الدولي. وبعد ستة عقود تقريبًا، لم تختفِ القضية، وإنما تغير مفهومها واتسعت أبعادها؛ فمن أمية القراءة والكتابة والحساب، إلى الأمية الوظيفية والرقمية والمعرفية، وصولًا اليوم إلى القدرة على التعامل الواعي والفاعل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
بالنسبة لي، يرتبط اليوم الدولي لمحو الأمية بواحدة من المحطات التي أعتز بها في مسيرتي المهنية. ففي عام 2005، تشرفت بتكليفي بتنظيم أول احتفال رئاسي دولي في مصر بمناسبة اليوم الدولي لمحو الأمية، في تجربة جمعت بين البعدين الوطني والدولي، وبمشاركة المجلس الثقافي البريطاني، وحضور عدد من القيادات المصرية البارزة، من بينهم الدكتور علي المصيلحي، والدكتور عمرو عزت سلامة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك، والدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التربية والتعليم آنذاك.
ولم تأتِ تلك الاحتفالية منفصلة عن سياق من العمل في هذا الملف؛ فقد تشرفت خلال تلك المرحلة بالمشاركة في العديد من الأعمال والأنشطة المتعلقة بمحو الأمية وتعليم الكبار، والتعاون مع مكتب اليونسكو بالقاهرة والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار.
وكان أحد أهم الدروس التي تعلمناها آنذاك أن نجاح محو الأمية يتطلب ألا ننتظر أن يأتي الإنسان إلى التعليم، وإنما أن نذهب بالتعليم إلى الإنسان أينما كان.
ومن هنا جاءت جهود فتح فصول محو الأمية والوصول إلى المواطنين في القرى والمناطق الريفية والحقول ومواقع العمل، وخاصة الفئات التي لم تتح لها فرصة استكمال تعليمها عبر المسارات التقليدية.
ومن التجارب المهمة التي ارتبطت بتلك المرحلة منهج «أتعلم أتنور»، الذي مثّل توجهًا لتطوير أساليب محو الأمية وتعليم الكبار، بالتوازي مع تجارب الاستفادة من الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والوسائط الرقمية والأقراص المدمجة في العملية التعليمية.
قد تبدو الأقراص المدمجة اليوم تقنية تنتمي إلى الماضي، في عالم أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على الحوار والترجمة وتخصيص المحتوى التعليمي لكل متعلم، ولكنها كانت في ذلك الوقت خطوة مهمة في اتجاه جديد: تسخير التكنولوجيا لخدمة الحق في التعلم.
وهنا أرى رابطًا مهمًا بين ما كنا نحاول القيام به منذ أكثر من عشرين عامًا وما يناقشه العالم اليوم حول التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي.
الأداة تغيرت، لكن السؤال لم يتغير: كيف نوظف التكنولوجيا لتقليل فجوة المعرفة بدلًا من أن تصبح سببًا في اتساعها؟
وفي الفترة نفسها، كان العالم يعيد النظر في فلسفة محو الأمية. ومن أبرز ملامح هذا التحول مبادرة اليونسكو لمحو الأمية من أجل التمكين (Literacy Initiative for Empowerment – LIFE)، التي استهدفت دعم الدول التي تواجه تحديات كبيرة في معدلات محو الأمية.
وكانت كلمة «التمكين» هنا شديدة الدلالة؛ لأن الهدف لم يعد أن يستطيع الإنسان قراءة جملة أو كتابة اسمه فقط، وإنما أن تساعده المعرفة على تحسين حياته والمشاركة في مجتمعه والحصول على فرص اقتصادية واجتماعية أفضل.
ثم تطور هذا المسار عالميًا من خلال التحالف العالمي لمحو الأمية في إطار التعلم مدى الحياة (GAL)، واستراتيجيات اليونسكو لمحو أمية الشباب والكبار، التي أعطت اهتمامًا متزايدًا للتكنولوجيا الرقمية، والشمول، والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، والتعلم مدى الحياة.
أما بالنسبة لمسيرتي الشخصية، فلم تكن احتفالية 2005 نهاية تلك التجربة، وإنما شكلت بداية فصل جديد.
فبعدها، تشرفت بالعمل مع الدكتور علي المصيلحي عقب أدائه اليمين الدستورية في ديسمبر 2005 كأول وزير للتضامن الاجتماعي في مصر، لتتسع تجربتي من التعليم ومحو الأمية إلى مجالات التنمية والحماية الاجتماعية والتمكين وبناء الإنسان.
وكان ذلك امتدادًا طبيعيًا لقناعة تكونت لدي مبكرًا: لا يمكن الفصل بين التعليم والتنمية الاجتماعية.
فالإنسان الذي لا يمتلك أدوات المعرفة أكثر عرضة للفقر والتهميش، بينما يصبح التعليم أحد أهم أبواب التمكين والاستقلال الاقتصادي والمشاركة المجتمعية.
واليوم… هل نواجه نوعًا جديدًا من الأمية؟
بعد أكثر من عشرين عامًا، أصبح علينا أن نطرح السؤال بصورة مختلفة.
هل يكفي اليوم أن يعرف الإنسان القراءة والكتابة لكي نصفه بأنه متعلم؟
في عالم أصبحت فيه الخدمات الحكومية والمصرفية وفرص العمل والتعليم والتواصل مرتبطة بالفضاء الرقمي، أصبح محو الأمية الرقمية جزءًا من الحقوق الأساسية للإنسان.
ومع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، ربما نكون أمام مرحلة جديدة تمامًا: محو أمية الذكاء الاصطناعي (AI Literacy).
فالقدرة على استخدام هذه الأدوات، وفهم إمكاناتها وحدودها، والتحقق من المعلومات التي تقدمها، والتعامل معها بصورة أخلاقية ومسؤولة، قد تصبح خلال السنوات المقبلة مهارة أساسية لا تقل أهمية عن المهارات الرقمية التي أصبحنا نعتبرها اليوم من البديهيات.
وهنا تظهر مسؤولية جديدة أمام المؤسسات التعليمية والحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني: ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى فجوة تعليمية جديدة بين من يستطيعون استخدامه ومن لا يستطيعون الوصول إليه أو فهمه.
ومن هذا المنطلق، أرى امتدادًا طبيعيًا لهذه الرحلة فيما نعمل عليه اليوم من خلال المجلس العربي للمسؤولية المجتمعية، وما نتبناه من مبادرات تعليمية وتنموية، وفي مقدمتها مبادرة الوقف الخيري من أجل التعليم المستدام.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من التفكير في تمويل مشروع تعليمي إلى التفكير في استدامة فرص التعليم نفسها.
والوقف التعليمي يمكن أن يمثل أحد النماذج القادرة على بناء موارد مستدامة لدعم الطلاب والمؤسسات والبرامج التعليمية والتكنولوجية، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.
كما نحتاج إلى شراكة أوسع تجمع الحكومات والجامعات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية، لأن تحديات التعليم في عصر التكنولوجيا أكبر من أن تتحملها جهة واحدة.
عشرون عامًا… الأدوات تغيرت والرسالة باقية
عندما أعود بذاكرتي إلى عام 2005، أرى حجم التحول الذي حدث.
من فصل لمحو الأمية في قرية أو حقل، إلى الكمبيوتر و«أتعلم أتنور»، ومن الأقراص المدمجة إلى المنصات الرقمية، ومن محو الأمية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي.
إنها رحلة طويلة تغيرت خلالها التكنولوجيا بصورة ربما لم يكن من الممكن تصورها قبل عشرين عامًا.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
الإنسان.
فالهدف من كل هذه الأدوات والاستراتيجيات والمبادرات يجب أن يظل تمكين الإنسان من المعرفة ومنحه فرصة حقيقية للتعلم وتحسين حياته والمشاركة في بناء مجتمعه.
ومن تجربتي الممتدة منذ العمل في ملف محو الأمية واحتفالية عام 2005، وصولًا إلى العمل اليوم من أجل التعليم المستدام، أصبحت أكثر اقتناعًا بأننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم «محو الأمية» إلى مفهوم «استدامة المعرفة».
لأن محو الأمية قد يمنح الإنسان بداية الطريق، لكن التعلم مدى الحياة هو ما يمنحه القدرة على مواصلة السير فيه.
ومن «أتعلم أتنور» إلى الذكاء الاصطناعي، ستظل رسالتي واحدة:
أن نصل بالتعليم إلى الإنسان أينما كان، وأن نجعل المعرفة حقًا، والتكنولوجيا وسيلة للتمكين، والاستثمار في التعليم استثمارًا مستدامًا في مستقبل الإنسان.










