د راندا رزق تكتب: من المسؤولية المجتمعية إلى الاستثمار في الأثر… الجامعة شريك في صناعة التنمية
مقالات للرأي

لم يعد السؤال الأكثر أهمية في المسؤولية المجتمعية هو: كم أنفقنا؟ ولا كم مبادرة نفذنا؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا تغير نتيجة لهذا الإنفاق؟ وما الأثر الذي بقي بعد انتهاء المبادرة؟
هذا التحول في التفكير يعيد صياغة مفهوم المسؤولية المجتمعية ذاته. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم على مبادرات متفرقة، مهما بلغت أهميتها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تربط بين المعرفة والاحتياج المجتمعي والتمويل والتنفيذ وقياس الأثر والاستدامة.
ومن هنا يتجه العالم اليوم من العمل الخيري التقليدي إلى مفهوم أكثر نضجًا هو الاستثمار في الأثر؛ أي توجيه الموارد بطريقة لا تكتفي بتمويل النشاط، وإنما تستهدف إحداث تغيير اجتماعي أو اقتصادي أو تعليمي واضح وقابل للقياس والاستمرار.
التعليم.. الاستثمار الذي يصنع بقية الاستثمارات
ويأتي التعليم في قلب هذه المعادلة.
فالاستثمار في التعليم لا ينتهي داخل قاعة المحاضرات، بل يمتد أثره إلى سوق العمل والإنتاج والبحث العلمي والابتكار والثقافة والوعي وجودة الحياة.
ومن ثم، لم يعد من الممكن النظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة للتعليم ومنح الدرجات العلمية فقط، بل بوصفها مؤسسة تنموية تمتلك رأس مال بشريًا وعلميًا وبحثيًا قادرًا على صناعة الأثر في المجتمع.
وهذا المعنى كان حاضرًا بقوة في رؤية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، خلال كلمته بكلية التربية النوعية؛ حيث طرح رؤية تتجاوز الإدارة اليومية للجامعة إلى مفهوم أوسع يقوم على الحفاظ على موارد الدولة وتعظيم الاستفادة منها، وتنمية الموارد الذاتية، وتطوير البرامج التعليمية، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وربط الجامعة باحتياجات المجتمع وسوق العمل.
إنها رؤية تضع الجامعة في قلب عملية التنمية.
من تمويل النشاط إلى بناء الشراكة
وهنا تظهر أهمية إعادة تعريف علاقة القطاع الخاص بالجامعة.
فالقطاع الخاص ليس مجرد مصدر للتمويل، والجامعة ليست مجرد جهة متلقية له.
الشراكة الحقيقية يمكن أن تمتد إلى تطوير البرامج، والتدريب، والبحث والتطوير، وربط البحث العلمي بالصناعة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، والمساهمة في تجهيز المعامل والبنية التكنولوجية، وفتح مسارات جديدة أمام الطلاب والخريجين.
وهو ما يتقاطع مع توجه رئيس جامعة القاهرة نحو تعزيز التعاون مع القطاع الخاص والاستفادة من صيغ الشراكة المختلفة، إلى جانب ربط المشروعات البحثية باحتياجات القطاعات الإنتاجية والصناعية.
وبذلك ننتقل من CSR القائم على الرعاية إلى CSR القائم على الشراكة والاستثمار في النتائج.
الجامعة التنافسية تبدأ من برنامج تعليمي تنافسي
ولا يمكن الحديث عن صناعة الأثر دون تطوير جوهر العملية التعليمية نفسها.
فمن أبرز ما تعكسه رؤية جامعة القاهرة الاهتمام بتطوير البرامج التعليمية بما يواكب التحولات العالمية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، وتعزيز قدرة البرامج على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل.
والهدف ليس مجرد إضافة مقررات جديدة، وإنما بناء خريج يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة.
فكلما ارتفعت جودة البرنامج التعليمي، زادت قدرة الجامعة على جذب الطلاب والشراكات والفرص التدريبية والبحثية، وتحسنت قدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وهنا يصبح تطوير التعليم ذاته استثمارًا في رأس المال البشري.
البحث العلمي الذي يصل إلى المصنع والمجتمع
ومن أهم التحولات التي تحتاجها جامعاتنا أيضًا الانتقال بالبحث العلمي من مجرد الإنتاج الأكاديمي إلى البحث القادر على حل مشكلة.
فربط البحث العلمي بالقطاع الصناعي والإنتاجي يتيح للجامعة أن تتحول من منتج للمعرفة إلى شريك في توظيفها.
وعندما تبدأ مشكلة حقيقية من مصنع أو مؤسسة أو مجتمع، ثم تدخل الجامعة بباحثيها وطلابها ومعاملها لإنتاج حل قابل للتطبيق، نكون أمام أحد أوضح نماذج الاستثمار في الأثر.
وهذا هو المسار الذي يمكن أن يخلق موارد جديدة للجامعة أيضًا، من خلال الاستشارات، والمشروعات البحثية التطبيقية، والوحدات ذات الطابع الخاص، والابتكارات والشراكات.
فتنمية الموارد الذاتية للجامعة لا تتعارض مع رسالتها العامة، بل يمكن أن تدعم استدامتها وقدرتها على أداء هذه الرسالة، شريطة أن تظل جودة التعليم وخدمة المجتمع والإنسان هي الغاية.
«أثر».. من المشاركة إلى صناعة التغيير
وفي هذا السياق تأتي منصة «أثر» بجامعة القاهرة باعتبارها أحد التطبيقات المهمة لهذه الفلسفة.
فالمنصة التي أطلقتها الجامعة برؤية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق تنظم وتوثق المشاركة المجتمعية للطلاب وتربط طاقاتهم باحتياجات المجتمع.
لكن الإمكانية المستقبلية لـ«أثر» أكبر من مجرد توثيق ساعات المشاركة.
يمكن أن تصبح المنصة جزءًا من منظومة متكاملة لقياس الأثر المجتمعي للجامعة.
فبدلًا من أن نسأل فقط: كم طالبًا شارك؟ يمكن أن نسأل: ما المشكلة التي ساهم الطلاب في حلها؟ ومن استفاد؟ وما الذي تغير؟ وهل استمر هذا التغيير؟
وهنا ننتقل من المشاركة المجتمعية إلى صناعة الأثر المجتمعي.
كلية التربية النوعية.. نموذج مختلف للأثر
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا خاصًا داخل كلية التربية النوعية؛ لأن مفهوم الأثر فيها يمكن أن يتجاوز الصور التقليدية للخدمة المجتمعية.
فالفنون والموسيقى والمسرح والإعلام التربوي والعلوم النفسية والتربوية ليست تخصصات أكاديمية منعزلة عن المجتمع، وإنما أدوات للتوعية وبناء الإنسان وتغيير السلوك وتعزيز الهوية وتحسين جودة الحياة.
وهذا يفتح المجال أمام الكلية لتطوير برامج ومشروعات ذات أثر في المدارس والمجتمعات المحلية ومؤسسات الثقافة والإعلام والمجتمع المدني، فضلًا عن فرص التدريب والشراكات مع القطاع الخاص.
ومن هنا يصبح التخصص النوعي نفسه أداة للتنمية.
المسؤولية عن الأثر
إن التحول الذي نحتاج إليه لا يقتصر على زيادة ميزانيات المسؤولية المجتمعية، بل على تغيير طريقة التفكير فيها.
فإذا موّلت مؤسسة برنامجًا لتدريب ألف شاب، فإن عدد المتدربين ليس وحده دليل النجاح. ينبغي أن نعرف كم منهم اكتسب مهارة فعلية، وكم حصل على فرصة عمل، وكم تحسن دخله، وهل استمر الأثر بعد انتهاء التمويل.
وإذا شارك آلاف الطلاب في أنشطة مجتمعية، فلا يكفي تسجيل عدد الساعات؛ بل ينبغي أن نعرف أيضًا ماذا تعلم الطالب، وماذا تغير في المجتمع الذي خدمه.
الأثر يجب أن يكون جزءًا من تصميم المشروع منذ البداية، لا مجرد تقرير نكتبه في نهايته.
الجامعة والقطاع الخاص والمجتمع.. منظومة واحدة
لدينا في مصر بالفعل العناصر اللازمة لبناء نموذج متقدم للاستثمار في الأثر: جامعات عريقة، قطاع خاص قوي، مجتمع مدني يمتلك خبرة طويلة، مؤسسات تنموية، باحثون، وشباب يمتلك طاقة هائلة.
التحدي هو أن ننتقل من عمل كل طرف بصورة منفصلة إلى منظومة للشراكة.
تحدد الجامعة المشكلة وتوفر المعرفة والبحث.
ويشارك الطلاب في الحل.
ويقدم المجتمع المدني الخبرة الميدانية.
ويدخل القطاع الخاص بالتمويل والتكنولوجيا والخبرة وسوق العمل.
ثم تقاس النتائج بصورة علمية.
عندها فقط تتحول المسؤولية المجتمعية من سلسلة أنشطة إلى استثمار حقيقي في التنمية.
الأثر هو المعيار
إن الجامعة التي تسعى إلى المنافسة الدولية لا تنفصل عن الجامعة التي تخدم مجتمعها.
وتحسين التصنيف، وتحديث البرامج، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتطوير المعامل، وربط البحث العلمي بالصناعة، وتنمية الموارد الذاتية، ودعم الطلاب، وتوسيع المشاركة المجتمعية ليست ملفات منفصلة؛ وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها عناصر في منظومة جامعية واحدة لصناعة الأثر.
ولذلك ربما ينبغي أن يتغير السؤال الذي نقيس به نجاحنا.
بدلًا من: ماذا فعلنا؟
نسأل:
ماذا تغير لأننا فعلناه؟
هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
وهنا تتحول الجامعة من مؤسسة تقدم التعليم إلى مؤسسة تستثمر في الإنسان وتصنع التنمية وتترك أثرًا.
أ.د. راندا رزق
وكيل كلية التربية النوعية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة
مؤسس شبكة اتحاد الجامعات العربية المعرفية للتغير المناخي والبصمة الكربونية










