مقالات الرأى

المستشار/ حسام الدين علام يكتب: القانون وحماية التراث الإنساني

مقالات للرأي

التراث الإنساني هو ما تتركه الأمم من آثار، ومبانٍ، ومخطوطات، وفنون، وعمارة، وحرف، وطقوس اجتماعية، ومعارف شعبية، ومواقع طبيعية وثقافية تحمل قيمة خاصة للإنسان والمجتمع. وهو لا يخص الماضي وحده؛ لأنه يساعد الناس على فهم أنفسهم، ويمنح الأجيال الجديدة صلة حية بتاريخها، ويجعل التنوع الحضاري مصدر معرفة وتقدير متبادل. وحين يحمي القانون التراث، فهو يحمي ذاكرة المجتمع، وحق الإنسان في الثقافة، وحق الأجيال القادمة في أن ترى ما صنعه السابقون وتفهمه وتتعلم منه.
وتكتسب حماية التراث الإنساني أهمية خاصة في مصر؛ لأن مصر ليست صاحبة تراث واحد محدود، بل صاحبة طبقات حضارية متتابعة: مصرية قديمة، ويونانية ورومانية، وقبطية، وإسلامية، وحديثة ومعاصرة. ومن ثم فإن حماية التراث المصري هي في الوقت نفسه حماية لتراث وطني راسخ، وإسهام في صون الذاكرة الإنسانية المشتركة. فالأثر في مصر ليس حجرًا صامتًا، بل شاهد على فكرة، ومهارة، وزمن، وذوق، ونظام حياة، وقدرة إنسانية على البناء والإبداع.
التراث الإنساني بين المعنى الثقافي والحماية القانونية
يقصد بالتراث الثقافي المادي كل ما له وجود محسوس من مواقع أثرية، ومبانٍ تاريخية، وتماثيل، ونقوش، ومخطوطات، ومتاحف، وقطع فنية، ومدن ذات قيمة تاريخية أو معمارية. أما التراث الثقافي غير المادي فيشمل الممارسات، والتقاليد، وأشكال التعبير، والمعارف، والمهارات، وما يرتبط بها من أدوات وأماكن ثقافية، مثل الفنون الشعبية، والحرف التقليدية، والرواية الشفوية، والاحتفالات ذات الدلالة الثقافية.
والأثر في القانون المصري له تعريف أدق. فقانون حماية الآثار رقم ١١٧ لسنة ١٩٨٣ يعد أثرًا كل عقار أو منقول متى كان نتاجًا للحضارة المصرية أو الحضارات المتعاقبة أو الفنون أو العلوم أو الآداب أو الأديان التي قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل مائة عام، وكان ذا قيمة أثرية أو فنية أو أهمية تاريخية باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارة المصرية أو غيرها من الحضارات التي قامت على أرض مصر. كما يجيز القانون، بقرار من رئيس مجلس الوزراء، اعتبار أي عقار أو منقول ذا قيمة تاريخية أو علمية أو دينية أو فنية أو أدبية أثرًا إذا كانت للدولة مصلحة قومية في حفظه وصيانته.
ويميز القانون كذلك بين الأثر والتراث المعماري. فليس كل مبنى ذي طابع جميل أثرًا بالمعنى الضيق، وقد يكون مع ذلك جديرًا بالحماية بوصفه مبنى ذا طراز معماري متميز، أو مرتبطًا بالتاريخ القومي، أو بشخصية تاريخية، أو بحقبة تاريخية، أو مزارًا سياحيًا. وهنا يأتي دور قانون رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ بشأن تنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، الذي يضع حماية قانونية لفئة مهمة من المباني ذات القيمة، حتى لا تضيع الذاكرة العمرانية تحت ضغط الإهمال أو الهدم غير المنضبط.
الأساس الدستوري لحماية الهوية والآثار
يضع الدستور المصري حماية التراث في موضع واضح داخل البناء الدستوري للدولة. فقد نصت المادة (٤٧) على أن: “تلتزم الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة.” وهذه المادة شديدة الأهمية؛ لأنها تجعل الهوية الثقافية المصرية هوية جامعة، قائمة على التنوع والتراكم الحضاري، لا على مرحلة واحدة من التاريخ.
وتنص المادة (٤٨) على أن: “الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة وتلتزم بدعمه وبإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب، دون تمييز بسبب القدرة المالية، أو الموقع الجغرافي، أو غير ذلك. وتولى اهتماماً خاصاً بالمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجاً. وتشجع الدولة حركة الترجمة من العربية وإليها.” وبهذا المعنى، تصبح حماية التراث جزءًا من الحق في الثقافة؛ فالمواطن لا يكتفي بأن يعرف أن له تاريخًا، بل يحتاج أن يصل إلى هذا التاريخ في متحف، وموقع، وكتاب، ومادة تعليمية، وفضاء ثقافي مفتوح.
أما المادة (٤٩) فقد نصت على أن: “تلتزم الدولة بحماية الآثار والحفاظ عليها، ورعاية مناطقها، وصيانتها وترميمها، واسترداد ما استولى عليه منها، وتنظيم التنقيب عنها والإشراف عليه. ويحظر إهداء أو مبادلة أي شيء منها. والاعتداء عليها والاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم.” وهذا النص يجمع عناصر الحماية كلها: الحفظ، والرعاية، والصيانة، والترميم، والاسترداد، وتنظيم التنقيب، وتجريم الاعتداء والاتجار، وعدم سقوط الجريمة بالتقادم.
وتنص المادة (٥٠) على أن: “تراث مصر الحضارى والثقافى، المادى والمعنوى، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة، والقبطية، والإسلامية، ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته. وكذلك الرصيد الثقافى المعاصر، المعمارى والأدبى والفنى بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أي من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. وتولى الدولة اهتماماً خاصاً بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية فى مصر.” وهذه المادة تقدم صياغة دستورية نادرة في اتساعها؛ لأنها تحمي المادي والمعنوي، والقديم والمعاصر، وتربط التراث المصري بقيمته القومية والإنسانية معًا.
القوانين المصرية كدرع للحفظ والصيانة والاسترداد
يترجم قانون حماية الآثار رقم ١١٧ لسنة ١٩٨٣ هذا الالتزام الدستوري إلى قواعد عملية. فهو ينظم تسجيل الآثار، وحرم الأثر، وخطوط التجميل، والمناطق المتاخمة، والتنقيب، والحيازة، والصيانة، والترميم، والعقوبات الخاصة بالاعتداء أو التهريب أو الاتجار غير المشروع. والغاية من هذه القواعد أن تبقى الآثار في بيئتها القانونية والعلمية الصحيحة، وأن تخضع أعمال الكشف والترميم والدراسة لإشراف متخصص، لأن الأثر إذا أسيء التعامل معه فقد جزءًا من قيمته، ولو بقي شكله الخارجي قائمًا.
وتظهر أهمية القانون كذلك في مواجهة الاتجار غير المشروع بالآثار. فالقطعة الأثرية حين تخرج من سياقها بغير حق لا تفقد الدولة مالًا فقط؛ بل يفقد الباحثون والجمهور جزءًا من قصة المكان والزمن والاستخدام. لذلك فإن استرداد الآثار ليس عملًا رمزيًا، بل استعادة لسياق معرفي وقانوني وحضاري. والقانون المصري يتعامل مع هذا الملف بوصفه حماية للحق العام في التراث، لا مجرد نزاع ملكية على قطعة منفردة.
ويكمل قانون الحفاظ على التراث المعماري رقم ١٤٤ لسنة ٢٠٠٦ هذه الحماية من زاوية العمران. فالمدينة لا تتكون من آثار مسجلة فقط؛ بل من شوارع، وواجهات، وميادين، ومبانٍ تحمل ذاكرة اجتماعية ومعمارية. وحماية المباني ذات الطراز المعماري المتميز تمنع انقطاع الصلة بين الناس وملامح مدنهم، وتساعد على تحقيق توازن عاقل بين التطوير العمراني وصون الشخصية البصرية والتاريخية للأماكن.
وتحتاج هذه الحماية القانونية إلى وعي عام. فالقانون يستطيع أن يعاقب على الحفر خلسة أو تهريب الأثر أو تشويهه أو هدم مبنى محمي، لكنه يحتاج إلى مواطن يعرف أن لمس النقوش، أو الكتابة على الجدران الأثرية، أو شراء قطعة مجهولة المصدر، أو تداول معلومات تشجع على التنقيب غير المشروع، كلها أفعال تضر بالتراث وبحق المجتمع في المعرفة.
الحماية الدولية للتراث ومسؤولية التعاون
تتحرك حماية التراث كذلك في إطار دولي واسع. فقد قررت اتفاقية اليونسكو لعام ١٩٧٢ بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي أن بعض عناصر التراث تتمتع بقيمة عالمية استثنائية، وأن حمايتها تظل واجبًا يقع أولًا على الدولة التي يوجد التراث في إقليمها، مع تعاون المجتمع الدولي في صونه. وقد صدقت مصر على هذه الاتفاقية في عام ١٩٧٤، بما يعكس ارتباط حماية التراث المصري بمنظومة دولية قائمة على الاحترام والتعاون.
أما اتفاقية اليونسكو لعام ١٩٧٠ بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، فتقدم إطارًا مهمًا لمكافحة الاتجار غير المشروع. فهي تقوم على التعاون بين الدول في منع التهريب، واسترداد الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بغير حق، وتشجيع الجرد والتوثيق والرقابة على حركة الممتلكات الثقافية. وهذه الاتفاقية شديدة الصلة بالدول ذات التراث العريق، لأنها تضع الاتجار غير المشروع في موضعه الصحيح: اعتداء على المعرفة والذاكرة، لا مجرد مخالفة تجارية.
وتضيف اتفاقية ٢٠٠٣ لصون التراث الثقافي غير المادي بعدًا آخر، لأنها تهتم بالتراث الحي الذي تحمله الجماعات والأفراد عبر الأجيال. فالحرفة التقليدية، والاحتفال الشعبي، والأداء الفني، والمعرفة المرتبطة بالطبيعة، كلها صور من التراث التي تحتاج إلى صون وتعليم وتوثيق، مع احترام المجتمعات التي تحملها. وهذا مهم لمصر بما تملكه من تنوع ثقافي وفنون شعبية وحرف ومعارف متوارثة.
وفي أوقات النزاعات المسلحة، تبرز اتفاقية لاهاي لعام ١٩٥٤ لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وهي تقوم على فكرة أن الضرر الذي يصيب ممتلكات ثقافية لأي شعب يمس التراث الثقافي للإنسانية كلها. وتؤكد هذه الاتفاقية واجب احترام الممتلكات الثقافية، واتخاذ تدابير وقائية لحمايتها، والامتناع عن استخدامها أو استهدافها بما يعرضها للتلف أو الدمار وفق قواعدها. وهنا يلتقي قانون التراث مع القانون الدولي الإنساني في حماية ذاكرة الإنسان وقت الشدة.
توصيات عملية لصون التراث كحق ومسؤولية
تبدأ حماية التراث من المعرفة. لذلك ينبغي دعم التثقيف القانوني المبسط حول معنى الأثر، والتراث المعماري، والتراث غير المادي، وخطورة الاتجار غير المشروع، وواجب احترام المواقع والمتاحف. فالمواطن الذي يعرف قيمة المكان يتعامل معه بعناية، والطالب الذي يفهم معنى التراث يرى فيه مصدرًا للمعرفة لا مجرد مادة في كتاب.
وتتمثل التوصية الثانية في تعزيز التوثيق والرقمنة. فكل أثر، ومخطوط، ومبنى تراثي، وحرفة، وتقاليد شفوية، يحتاج إلى سجل دقيق وصور وبيانات ومتابعة حالة. والتوثيق لا يحل محل الحفظ المادي، لكنه يحمي الذاكرة من الضياع، ويساعد في الاسترداد، ويدعم البحث العلمي، ويتيح للناس الوصول المنضبط إلى المعرفة.
وتقوم التوصية الثالثة على تشجيع المشاركة المجتمعية. فحماية التراث لا تقتصر على المتخصصين، بل تحتاج إلى سكان المناطق التراثية، والمرشدين، والمعلمين، والإعلاميين، والطلاب، وأصحاب الحرف. المشاركة الواعية تجعل المجتمع حارسًا للتراث، لا مجرد متفرج عليه.
وتتعلق التوصية الرابعة بربط الحماية بالتنمية المستدامة. فالموقع التراثي المحفوظ جيدًا يمكن أن يدعم السياحة الثقافية، ويوفر فرص عمل، ويعزز الصناعات الإبداعية، ويقوي صورة المكان. والتنمية هنا يجب أن تسير باحترام لطبيعة التراث، وبضوابط علمية تمنع التشويه أو الاستهلاك المفرط للمواقع.
أما التوصية الخامسة فهي دعم التعاون الدولي في الاسترداد ومكافحة الاتجار غير المشروع. فالممتلكات الثقافية تتحرك أحيانًا عبر حدود وأسواق ومزادات ومنصات رقمية، ولذلك تحتاج حمايتها إلى تعاون قانوني ودبلوماسي وفني بين الدول والمنظمات والمتاحف ودور المزادات، مع تشديد أهمية المصدر المشروع والوثائق الدالة على الملكية.
وفي الختام، فإن القانون وحماية التراث الإنساني يلتقيان عند معنى رفيع: الذاكرة حق، والجمال مسؤولية، والتاريخ أمانة. فالدستور يقرر قيمة التراث، والقوانين الوطنية تحميه بالتسجيل والصيانة والعقاب والاسترداد، والاتفاقيات الدولية تجعله مجالًا للتعاون بين الشعوب. وحين يصون المجتمع تراثه، فهو لا يعيش في الماضي، بل يبني مستقبلًا أكثر وعيًا بنفسه، وأكثر احترامًا لتنوعه، وأكثر قدرة على تقديم إسهام مصري أصيل في الحضارة الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى