
ثمة أيام تمر على البشرية كأنها ومضات عابرة، وثمة يومٌ يقف فيه الزمن بخشوع، تتجرد فيه الأرواح من أثواب الطين، إنه يوم عرفة، الميقات الأعظم، واللحظة التي تذوب فيها الفوارق، وتسقط الألقاب، ولا يبقى فوق تراب الأرض إلا إنسانٌ يسأل خالقه العفو والغفران.
فحين تشرق شمس التاسع من ذي الحجة، تكتسي بطحاء عرفات برداء أبيض كأنه قطعة من نور. ملايين البشر، جاءوا من فجاج الأرض العميقة، يجمعهم نداء واحد، ويهزهم شوق واحد. تلاشت ألوانهم، واختفت لغاتهم، وتوحدت ثيابهم.
فهناك .. على جبل ، تسكت الألسن إلا بكلمة لبيك، وتتحدث العيون بلغة الدموع، هنا يهمس العاصي بذنوبه التي أثقلت كاهله، ويناجي العابد ربه بآماله، وتتعلق الأكف المرفوعة بالسماء كأغصانٍ يابسة تنتظر غيث الرحمة. إنه يوم البوح الأعظم؛ حيث يُعرض كل إنسان كتاب قلبه بكل ما فيه من انكسار وشوق، واثقاً بأن الرب الرحيم لا يرُد يداً امتدت إليه بصدق.
ومع اقتراب الغروب وميلاد المساء، تتكثف الأنفاس، وتتسارع النبضات. إنها الساعات الشريفة التي تدنو فيها رحمة الله من عباده دنواً يليق بجلاله، يباهي بهم ملائكته في علياء سمائه.
في تلك اللحظات، تشعر الروح بنسمة باردة تطوف بالقلوب المتعبة، فتمسح عنها وعثاء السنين، وتغسل ما علق بها من درن الخطايا، إنه الغروب الذي لا يعلن عن قدوم الظلام، بل يعلن عن بزوغ فجر جديد لكل نفس عاهدت ربها على الإياب.
ثم يرحل الحجيج عن عرفات، وترحل معهم قلوب الملايين ممن تابعوهم بأرواحهم خلف الشاشات، لكن أثر ذلك اليوم لا يرحل، فمهما ابتعدنا ومهما أظلمت دروبنا، فإن ثمة صعيداً طاهراً ينتظرنا دائماً لنخلع عليه ذنوبنا، ونعود منه بيض القلوب، أنقياء السريرة، كأننا وُلدنا من جديد.







