الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: “هنا القاهرة ” رحلة عطاء وابتكار عبر تسعة عقود !
مقالات للرأي

في الحادي والثلاثين من مايو من كل عام، تحتفل مصر بعيد الإعلاميين، وهو اليوم الذي ارتبط أيضاً بذكرى انطلاق الإذاعة المصرية الرسمية عام 1934، لتبدأ رحلة طويلة من العطاء المهني والتأثير الثقافي والسياسي في محيطها العربي. ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن الإعلام المصري مجرد وسيلة لنقل الخبر أو الترفيه، بل كان أحد أدوات القوة الناعمة التي ساهمت في تشكيل الوعي العربي لعقود طويلة.
لقد مر الإعلام المصري بمراحل متعددة، لكن تبقى مرحلة الريادة هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في الذاكرة العربية.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان صوت القاهرة يصل إلى كل بيت عربي تقريباً، بينما كانت الدراما والسينما المصرية تشكل وجدان المنطقة بأكملها.
وفي وقت كانت فيه الإمكانات الفنية والمادية محدودة لدى كثير من الدول العربية الناشئة امتلكت مصر الخبرة والكوادر والبنية التحتية التي جعلتها تتصدر المشهد الإعلامي بلا منافس حقيقي.
ولذلك، لم يكن غريباً أن ينتشر الإعلاميون المصريون في معظم العواصم العربية، وأن يصبحوا جزءاً من عملية تأسيس وتطوير مؤسسات إعلامية عديدة في الخليج العربي وشمال إفريقيا. فقد حملوا معهم خبرات متراكمة وأساليب مهنية ساهمت في بناء إعلام عربي حديث قادر على المنافسة!
ومع بداية التسعينيات، بدأت خريطة الإعلام العربي تتغير تدريجياً فقد اتسعت دائرة المنافسة مع ظهور فضائيات عربية جديدة تمتلك إمكانات تقنية ومالية كبيرة وأصبح البقاء للأكثر قدرة على الابتكار والتطوير ومواكبة التحولات التكنولوجية.
وهنا دخل الإعلام العربي مرحلة جديدة لم تعد فيها الريادة حكراً على أحد، بل أصبحت مرتبطة بالإبداع والقدرة على التأثير وصناعة المحتوى الجاذب للجمهور.
وفي هذا السياق، تبرز تجارب مهنية عديدة لإعلاميين مصريين أسهموا في نقل الخبرة المصرية إلى الخارج واكتسبوا بدورهم خبرات جديدة ومن بين تلك التجارب، تجربتي المهنية الشخصية في تليفزيون مسقط بسلطنة عمان في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ثم في مرحلة اعارتي الى تليفزيون دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال التسعينيات، وفي اعتقادي تجربتان شكلت كل منها حالة من الثراء المهني والإنساني، وأسهمت في تطوير الرؤية الإعلامية والقدرة على التعامل مع مدارس إعلامية مختلفة !
وعندما عدت إلى مصر مع مطلع الألفية الجديدة حملت معي رؤية وخبرة انعكست على الأداء المهني داخل عملي في قطاع الأخبار بمبنى ماسبيرو وقد تجلت أهمية هذه الخبرات في أصعب المراحل التي مرت بها الدولة المصرية، خاصة خلال الفترة الممتدة بين ثورتي الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013، وهي مرحلة اتسمت بحراك سياسي ومجتمعي غير مسبوق.
لقد شهدت تلك السنوات انهيار نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، ثم إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للبلاد، تلاها وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، قبل أن تنتهي تلك المرحلة بسقوط حكم الجماعة والانتقال إلى مرحلة انتقالية بقيادة المستشار عدلي منصور.
وفي خضم هذه التحولات، كان الإعلام المصري في قلب الحدث، يواجه تحديات مهنية وسياسية وأمنية شديدة التعقيد، وسط حالة من الاستقطاب الحاد والتدفق الهائل للمعلومات والشائعات ولم يغفل ثانية عن المتابعة الآنية للاحداث !
ومن داخل مبنى ماسبيرو، أدرت قطاع الأخبار في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الإعلام المصري، حيث كان علي التوازن بين المهنية ومتطلبات الأمن القومي وبين حق الجمهور في المعرفة وسرعة الأحداث المتلاحقة والمطالب الفئوية للعاملين الذين عاشوا أجواء الثورة !
ومن هنا جاءت أهمية توثيق تلك المرحلة عبر كتاب اللحظات الحاسمة… شهادة من قلب ماسبيرو الصادر عام 2015، والذي حاول تقديم قراءة من الداخل لما جرى خلال تلك السنوات المضطربة.
وتكمن القيمة الحقيقية لأي تجربة إعلامية في قدرتها على تحويل الأحداث إلى دروس مستفادة، وهو ما يجعل نقل الخبرات المتراكمة إلى الأجيال الجديدة أمراً ضرورياً، سواء للدارسين أو العاملين في المجال الإعلامي.
الإعلام، في النهاية، ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية وطنية وثقافية وتاريخية ومع التحولات الرقمية الهائلة التي يشهدها العالم اليوم، بات مطلوباً من الإعلام المصري أن يستعيد روح الريادة القديمة، ولكن بأدوات جديدة تواكب العصر، تعتمد على التدريب المستمر، والابتكار، وفهم طبيعة الجمهور الجديد الذي يعيش في عالم مفتوح بلا حدود.
ورغم كل التحديات، يبقى الإعلام المصري مدرسة عريقة صنعت أجيالاً من المبدعين، وأسهمت في تشكيل الوعي العربي لعقود طويلة، وما زالت قادرة على العطاء والتجدد متى امتلكت الإرادة والرؤية والقدرة على مواكبة المستقبل كل عام والاعلاميون المصريون بخير!








