
في سلسلة حلقات متصلة تنشر بوابة “يوتوبيا” قراءة لكتاب “المسرح التنموي.. النظرية والتطبيق” تأليف د. راندا رزق، تقديم د. أحمد زايد، وذلك ضمن سلسلة (دراسات في المسرح المعاصر) التي يصدرها المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.
ويسرنا أن نعرض تصدير الكتاب للكاتب الكبير أ.د أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، فيقول:
يؤكد لنا التاريخ أن ارتقاء الفنون هو أحد الجسور الهامة نحو الارتقاء الحضاري. وثمة شواهد تاريخية عديدة تدلنا على الإسهامات الفنّية المختلفة للحضارات القديمة بل أن حضارتنا المعاصرة قد بدأت نهضتها بنهضةٍ فنيةٍ أنتجت صنوفًا عظيمةً من فنونِ التصوير والموسيقى. فالفن له تأثير عميق في تحول المجتمعات ورقيها، فهو يرقَى بوجدان الأفراد ومشاعرهم، ويرفعَ من مستويات التذوق الجمالي، ويسهمُ في تهذيب غرائزهم وانفعالاتهم. ويمكن القول بشكل عام بأنَّ ارتقاء الفنون دالة على ارتقاء العمران البشري بالجملة، وأن تسّرب الجمال بأنواعه المختلفة إلى النفوس البشرية يذهبُ بالبشر بعيدًا عن كل صور العنف والتطرف ونزعات الاستبعاد أو الوصم أو التهميش.
ومن بين الفنون يكتسبُ المسرح أهمية خاصة. فهو الفن التفاعلي المباشر الأوحد الذي تتخلق فيه علاقة بين الأداء المسرحي وبين جمهور يشاهد ويستمع وينفعل، ومن ثمّ فإنَّ تأثيره يكون سريعًا ومباشراً. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، والذي يعالج موضوعًا هامًا حول دور الفن المسرحي في التغير الاجتماعي، وكيف يمكن أن يكون المسرح أداة للتغير الاجتماعي والارتقاء بقيم المجتمعات وثقافتها العامة لكي تكون قادرة على أن تنطلق إلى آفاقٍ رحبةٍ من التنمية.
ويستخدم الكتاب مفهومًا متميزًا في درس قضيته، وهو مفهوم المسرح التنموي. يضعنا هذا المفهوم مباشرة في صلب الموضوع، وهو عنوان يوحي إلينا منذ النظرة الأولى أن للفن عمومًا، وللمسرح خصوصًا، دورًا هامًا في بناء الإنسان القادر على أن يحقق نهضة تنموية.
وتحقق فصول الكتاب الهدف الذي نتوخاه من عنوانه، فتعرض موضوعات متنوعة تكشف عن سعة اطلاع المؤلفة وقدرتها على حشد أكبر قدر من الشواهد لتأكيد الفكرة التي تتطلع إلى بلورتها التي ترتبط بالعلاقة بين المسرح وبين المجتمع .فثمة اهتمام ببلورة المفاهيم الرئيسية مثل مفهوم التغير الاجتماعي والثقافي والتنمية الثقافية، مع تأكيد حق الأفراد والشعوب في العيش في مجتمع يحقق قدرًا معقولًا من التنمية. يأتي بعد ذلك الاهتمام بالدور الذي يلعبه المسرح في التغير الاجتماعي والثقافي، وكيف يشكل المسرح أداة تنموية قوية خاصة عندما يكون مسرحًا قريبًا من الجماهير، متفاعلًا مع نبض الحياة وحاجاتها ومشكلاتها. ولذلك فقد تصدت المؤلفة لأنواعِ المسرح المختلفة التي يمكن أن يكون لها تأثيرًا قويًا على تحريك الثقافة التقليدية وتغيرها لتتواكب مع متطلبات الحياة، من ذلك مثلًا مسرح الشارع ومسرح المنتدى، ومسرح المقهورين، والمسرح التفاعلي، مع عرض جوانب من الخبرات التاريخية للدور الذي لعبه المسرح في الحضارات المختلفة. ولقد كان هذا كله مقدمة لتقديم جولة في المسرح في علاقته بالتنمية في مصر المعاصرة، ولعرض لخصائص المسرح في القرن التاسع عشر، ودوره في ثورة 1919، وفي ظل ثورة يوليو 1952، وصور المسرح المحلي الذي شهده المجتمع المصري. ولم تكن كل هذه الموضوعات بعيدة عن الاهتمام بالمستوى العالمي حيث تم تقديم بعض النماذج الدولية المنتقاة لاستخدام المسرح في التنمية. ولقد كان جميلًا أن ينتهي الكتاب بعرض نصوص مسرحيه تفتح للقارئ أفقًا لكي يقرأ المسرح بعد أن قرأ عنه.
ولا يسعني في نهاية هذا التقديم إلا أن أتوجه بالتهنئة للمؤلفة على هذا الجهد، وأؤكد على أن الاهتمام بالفنون عامة وبالمسرح خاصة يعتبر أحد الروافد الأساسية في بناء الأنسان الحديث، وفي الارتقاء بثقافته، ومن ثم فإنه يكون عن جدارة أحد الروافد الأساسية للتنمية.
أ.د أحمد زايد










