امرآة فوق العادة

آسية بنت مزاحم

كتب - د.خالد غانم :

لو كانت النساء مثل هذي لما كان رجل كفوأ لإمرأة، بطلة قصتنا كانت تعيش في ظل أبهة رجل لم يناظره أحد، وذاقت من مجده ما يجعل البحر المالح حلوا وعذبا،

فكانت القصور التي تقيم فيها مع زوجها قصورا تفوق الخيال. فتلك الأنهار كانت تجري من تحت قصوره وحواليها ، في نظام بديع وبناء هندسي فريد، إنه قصر زوجها ، ذلكم فرعون الذي ادعى الألوهية وبارز ربه فقال: أنا ربكم الأعلى، وفي المقابل الزوجة العاقلة السيدة آسية بنت مزاحم حاك في صدرها الريب، وخالط قلبها الشك ، من إفك ما يقال ، وما يلوكه لسان زوجها.
لكنها – وهي في أوج عزتها – يلين قلبها وترجو الولد، وتكفل موسى الرضيع.
وإذا هي ترقب طفلا رضيعًا من بعيد ، يمخر بتابوته عباب الأمواج الهادرة، وجيء به، فأسرعت السيدة آسيا إلى احتضان الطفل الرضيع حتى قالت لزوجها الذي هم بقتله:
(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ( سورة القصص آية 9)
وكان قولها – عسى أن ينفعنا – بمثابة فراسة ونبوءة إن جازت هذه الكلمة ؛
ولعله قد تحقق لها ما رجته من النفع، في قولها ذلك، فقد توسمت فيه خيرا يمسسها بسبب هذه الكفالة ، وقد تحققت تلكم الفراسة وهذا الرجاء ، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه.
ريثما أصبحت مضرب المثل للمؤمنين ؛ حيث إنها أحدثت توازنا في أمر قل من يتفوق فيه، وهو العقل والقلب، ولجأت إلى الله بقولها الذي خلده الله في الذكر الحكيم قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)( سورة التحريم الآية 11)
والرسول الكريم يزيل الحياة الأبدية للسيدة آسية بنت مزاحم بوسام أفضل امرأة فيقول كما حكى عبد الله بن عباس:( خطَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أربعةَ خطوطٍ ثم قال: أتدرونَ ما هذا ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفضلُ نساءِ أهلِ الجنةِ: خديجةُ بنتُ خُوَيلِدٍ وفاطمةُ ابنةُ محمدٍ ومريمُ بنتُ عِمرانَ وآسيةُ بنتُ مزاحمٍ امرأةُ فِرعَونَ)
( مسند أحمد عن عبدالله بن عباس).
ولعل نموذج السيدة آسيا مثال يحتذى به لكل النساء الصالحات، التي استطاعت أن تقوم بحركة توافقية فريدة، وتوازن بين نقيضين، فاستطاعت أن توازن في حياتها بين طاعة ربها، وحسن معاشرة زوجها فرعون الذي ادعى أنه اله! لتكون مثالا للمرأة ذات المسؤولية المستقلة فيما يتعلق بشؤونها أمام الله.
هذه السيدة آسية بنت مزاحم، امرأة فرعون ، وسيدة مصر الأولى في ذلكم الزمان، تضرب مثلا طيبا للمرأة المؤمنة الصالحة التي واجهت الإغراءات والمساومات والترغيب والترهيب بإيمان ويقين؛ تلك آسيا الطاهرة، والمرأة الوحيدة في قصر فرعون، والتي تتحدى واقعا مناوئا يرأسه زوجها، وتتخطى الصعاب، وترسم بحروف من نور موقفًا عظيمًا في سماء المسئولية.

زر الذهاب إلى الأعلى