ثقافة وابداع

قراءة في كتاب: أمريكا الإفريقية دراسة أنثروبولوجية أ.د راندا رزق (2)

يؤدي علم أنثربولوجيا دورًا مهمًّا في الحياة، ودراسة الكيان الإنساني والطباع الإنسانية المتنوعة، كما يمثل باعثا أساسًا لدراسة تداول الثقافات والفن الأدبي،  بل هو الحياة الآمنة ذاتها إذا اعتبرنا أنه يجسد القيم الحياتية والإنسانية ويرسخها في نفوس المجتمعات والشعوب.

وكتاب أمريكا الإفريقية دراسة أنثروبولوجية  صدر عن دار نهضة مصر، وقدم له الكاتب الكبير الأستاذ يعقوب الشاروني، ومن ذاكرة التاريخ نذكر أن الأستاذ توفيق الحكيم رشح يعقوب الشارونى عام 1963 ليحصل على منحة التفرغ للكتابة الأدبية وقال: أزكى هذا الطلب بكل قوة لما أعرفه عن السيد يعقوب الشارونى من موهبة تجلت في مسرحية ” أبطال بلدنا “، التي ظفرت بالجائزة الأولى في مسابقة المجلس الاعلي للفنون والآداب”.

وقد رأينا قبل الدخول في قضايا هذا الكتاب المهم أن نعرض تقديم الكاتب الكبير يعقوب الشاروني، والذي نسرده الجزء الثاني منه:

فيقول:

وهكذا أصبح المسرح أداة تخدم المتفرج والممثل معًا. ومن هذا المنطلق يتحرر المسرح، ليستطيع الأفراد تحقيق كياناتهم من خلال  الجماعة” نحن رجال الرقص تستعيد أقدامنا حيويتها حين تهتز الأرض الصلبة “هذه العبارة تكشف التعبير عن الشعب فى حيويته ورفضه للاضطهاد وتعطشه للحرية، والتفرقة بين المسرح والجمهور ليس لها وجود هنا لا يوجد غير مشاركين، وبواسطة الطقوس يتشكل ويتجمع الأفراد ويرتبطون معًا.

الآلة الموسيقية المستخدمة ذات دلالة رمزية معبرة، دورها إيقاظ الوعى بشكل تدريجى الطبول صوتها مُعَبِّر بدرجة كبيرة عن كل من ليست له قدرة على أن يعبر بنفسه، واشتراك الكورس فى النصوص والتعليق يمثل الجموع ويعبر عنها.

وفى الحرب العالمية الثانية، خرج السود ليحاربوا مع البيض على أمل الخلاص والحرية، لابد للجميع أن يعلم بأن الجندى الأسود والأبيض يحاربان من أجل الحصول على الحرية، للبيض وللسود على حد سواء؛ لينهض العبيد من أجل حريتهم، لترفع كل امرأة رأسها من أجل حريتها.

وبذلك تحول المسرح من معالجة قضايا عنصرية، إلى قضايا إنسانية تتناول الحياة الواقعية التى يحياها الإنسان، بأساليب فنية متطورة. فالقضية هى حلم الإنسان  وطموحه، وسعيه الحثيث نحو حياة أفضل، وإصراره على أن يحقق أحلامه.. لا يعتقد فى شىء أهم من الإنسان الذى يصنع المعجزات.

لا يعيب الزنجى أنه جاء من إفريقيا، فالبيض فى أمريكا بدورهم فى الأصل من المهاجرين، لكن البيض هم مَن خلقوا المشكلة، لقد جاء الزنجى بخصوصيته الإفريقية، التى تتجسد فى الموسيقى والرقص والأغنية والطبلة والموسيقى وطقوس حياتهم الروحية. وهكذا لعب ذلك المسرح دوره المهم فى كفاح السود من أجل الحصول على حريتهم.

هذا المسرح لا يجعل إثارة المشاعر غاية فى حد ذاته، لكنه يتجه نحو رفض النزعة العنصرية. وأصبح العمل الفنى ليس مجرد تعبير ذاتى للفنان، لكنه صار تعبيرًا فى إطار جماعى، من خلال أفراد ينتمون إلى جماعة يتحدث باسمها، ولم يعد يتجه صوب هدم الأمريكيين البيض. فعوضًا عن سيناريوهات تهدم وتدمر العالم الأبيض، يعرض سيناريوهات أخرى تدعو إلى خلق أمة إفريقية من السود الأقوياء المتحدين.

وهكذا خلق المسرح الأفرو – أمريكى موضوعات جديدة على المسرح الأمريكى. فما دام الأمريكيون البيض يهمشون السود بحجة أنهم من عرق أو جنس مختلف، فإن الشعراء تغنوا بذلك الجنس وبلون بشرتهم.. يحلمون بحريتهم من خلال كتاباتهم للأشعار والروايات المسرحية، وقد وجدوا فى الفن والموسيقى والأدب ثورة يعبرون من خلالها عما يختلج فى صدورهم.

وهكذا أصبحت الثقافة والفنون سلاحًا سياسيًّا ناجحًا، والدليل على ذلك دور المسرح فى القضاء على التمييز العنصرى فى أمريكا، وأصبح الفن استشرافًا لحياة أرغد، يبعث على التفاؤل والأمل فى غد أفضل من المساواة والحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى