مقالات الرأى

د نبيل السمالوطي يكتب: البيئة بين التوازن والتدافع (٣)

الإبداع الإلهي منظور في كون الله المسطور، ونراه في البيئة التي نعيش فيها، والأرض التي نحيا عليها، ولا تزال الرؤية الفكرية تهدينا لمواصلة سرد نقاط تُجلي هذا الإبداع الإلهي والنسق الرباني:
فلقد شغل العلماء حاليا ومنذ أكثر من 50 عاماً بقضايا الحفاظ على التوازن والتكامل البيئي، وتقليل معدلات التلوث وإفساد البيئة، وعقد لهذا عشرات المؤتمرات العلمية وألفت مئات الكتب والبحوث والرسائل العلمية في هذا الشأن، وقد سبق القرآن الكريم هذا المنحى؛ حيث إن العناية الإلهية قدرت التوازن التكامل والتناغم بين كل مكونات البيئة، لكن تدخل الناس بشكل فيه تطرف أو بعد عن الوسطية أو إفراط أو تفريط وعدم تطبيق المنه الإلهى في التعامل مع الكون هو الذي يخل بهذا التوازن، كذلك فقد صدرت أوامر الله بالبعد عن كل ما يفسد الأرض بعد أن أصلحا وعدها الله تامة كاملة لمصلحة الإنسان ليعمرها بالعلم النافع وبالهد العارف والآيات في هذا الشأن كثيرة حيث قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (41 الروم) وقال تعالى (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (56 الأعراف) وقال تعالى : (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (205 البقرة) وقال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (77 القصص) وقد أهلك الله الأمم السابقة لأنها كانت تكفر بالله وتطغى وتفسد في الأرض، ومنهم فرعون الذي قال الله عنه ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ) وقد شرع الله قانون المدافعة حتى لا تفسد الأرض بفعل المفسدين الذين يجب محاربتهم والأخذ على أيديهم ومنعهم من الفساد والإفساد قال تعالى : (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (251 البقرة) وقد هدى الله الناس إلى شريعة الإسلام، حتى لا تحكم المجتمعات بالأهواء فتفسد الأرض ، قال تعالى (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) (71 المؤمنون)وقال تعالى (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (85 هو) وإذا نظرنا لقضايا البيئة بموضوعاتها وقضاياها المختلفة نجد أن كل منظومات العلوم تسهم في فهمها ودراستها سواء أكانت طبيعية أو رياضية أو إنسانية أو اجتماعية أو حتى الفنون والآداب . كل هذه المنظومات تسعى لفهم البيئة والحفاظ على نقائها وسلامتها، ومواهة ما يقوم به الإنسان من إفسادها .
كل ما سبق يوضح بجلاء الإبداع الإلهي في خلق بيئة متكاملة متوازنة آمنة لصالح الإنسان، كما يوضح جانب التدافع فيما يتعلق بالسلوك الإنساني والبشري ، ليؤكد ضرورة تضافر الجهود المتواصلة في إحداث عملية التوازن بالتصالح والتدافع.
——————————
العميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية
أستاذ علم الاجتماع -جامعة الأزهر

زر الذهاب إلى الأعلى