مقالات الرأى

د. محمد عزام يكتب: مستقبل الأعمال في القرن الواحد والعشرين في ظل شبكات الاتصالات ونظم الحوسبة المستحدثة

لوهلة دعونا نتخيل شكل الحياة بدون شبكات الاتصالات الحديثة والهواتف المحمولة الذكية! بالطبع ستكون حياة تنتمي للقرن الماضي أو قبل الماضي. حياة بعيدة عن التطور الذي جعل معيشتنا أفضل بدون شك، على الرغم من القيود الجديدة التي فرضتها علينا استخدامات تلك التكنولوجيات. ولكن الجانب الإيجابي للتطور التكنولوجي دوماً هو أكبر بكثير من الجانب السلبي له؛ هذا الجانب الذي لم توجده التكنولوجيا، ولكن هو حصيلة مباشرة للاستخدام السيء لقلة من البشر غير الأسوياء، الموجودين في كل عصر وزمان، وكان دور التكنولوجيا فقط هو تطوير أدواتهم وإظهار أفعالهم المريضة على السطح ليراها الكثير منها، كونوا نعيش جمعياً في عالم متصل كأنه قرية صغيرة، جميع بيوتها وغرفها مفتوحة للكل، وفي أغلب الأحوال بدون استئذان. فالعيب ليس على التكنولوجيا الذي جلبت لنا الكثير من المنافع بدون أدني شك، ولكن العيب على ممارسات البعض منا.

لذا كان من الضروري إلقاء الضوء على الأجيال الجديدة من شبكات الاتصالات، والتي من أهم أهدافها تحقيق طفرة في الشمول الرقمي وتقليل الفجوة الرقمية بين الشعوب، أو حتى بين سكان الحضر وسكان الريف أو المناطق النائية، في نفس البلد، بتعزيز التغطية الجغرافية لشبكات الاتصالات، وخاصة في المناطق المحرومة من ذلك حتى الآن، وكذلك تقليل استهلاك شبكات الاتصالات للطاقة، لتصبح أكثر استدامة، مع تقليل الزمن الخاص بنقل البيانات، وفي ذات الوقت تحقق الاستفادة المثلى من استخدام موجات الطيف لتعظيم سرعة نقل البيانات وجودة هذا النقل. وهذا سيساعد الأفراد والقطاعات الاقتصادية المختلفة في الحصول على اتصال عالي الجودة للشبكات، وفتح الأبواب لنماذج الاستخدام المبتكرة على المستوي الفردي والصناعي على حد سواء.

وستتألف أنظمة الاتصالات من الجيل التالي من مجموعة من التقنيات المختلفة، مثل الألياف الضوئية، والتي تعتبر الأساس للشبكات السلكية عالية السرعة والأكثر موثوقية، وشبكات الهاتف المحمول من الجيلين الخامس والسادس، وهي تمثل مستقبل شبكات الهاتف المحمول لتوفير كفاءة عالية فيما يخص النطاق الترددي، مع زمن انتقال منخفض للبيانات، والأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض Low-Orbit Satellites، والتي ستساعد في توفير تغطية أفضل لمنطقة واسعة مع تخفيض زمن انتقال البيانات إلى حد كبير مقارنة بأنظمة الأقمار الصناعية الأخرى، وشبكات الوأي فأي Wi-Fi الصناعية أو ما يطلق عليها Wi-Fi 6، والتي تتميز بجودة اتصال وأمان أعلى، والشبكات اللاسلكية منخفضة الطاقة (LPWAN) لمواجهة النمو المتسارع للأجهزة المتصلة مع بعضها البعض للأغراض الصناعية المختلفة.

ومن المتوقع أن تحسين الاتصال سيكون عاملاً مساعدًا على ازدهار التقنيات والتطبيقات المختلفة الأخرى. ويتضمن ذلك تطبيقات إنترنت الأشياء الصناعية (IIoT) التي ستعتمد على تقنيات الاتصالات المتقدمة، مثل وشبكات الواي فاي Wi-Fi الصناعية وشبكات الهاتف المحمول من الجيلين الخامس والسادس والشبكات اللاسلكية منخفضة الطاقة. وسيكون هذا هو الحال أيضًا بالنسبة للتقنيات الأخرى والتي ستشهد تطوراً كبيراً كنتيجة منطقية لتطور نظم الاتصالات، بما في ذلك تطبيقات الواقع المعزز والواقع الافتراضي باستخدام الهاتف المحمول، والألعاب الالكترونية، وخاصة التي تعمل على الهواتف المحمولة، والحوسبة السحابية والقريبة Cloud and Edge Computing. كون النمو المطرد لتلك التطبيقات يتطلب وجود شبكات لاسلكية عالية السرعة لإطلاق العنان لإمكاناتها في مختلف القطاعات الصناعية. من ناحية أخرى، يتضمن التأثير المتوقع لأنظمة الاتصالات المتقدمة على قطاع السيارات القدرة على عمل إجراءات صيانة وقائية أفضل، وتعزيز قدرات الملاحة وتقليل احتمالية الحوادث، وتحسين ذاتية تشغيل المركبات، وتطور خدمات مشاركة المركبات Ridesharing، مع إمكانية بث المعلومات بشكل أكثر تخصيصًا وبصورة آنية للسائقين والركاب.

وبالنسبة لقطاع الرعاية الصحية، فإن شبكات الاتصال المتقدمة عالية السرعة، جنباً إلى جنب مع الاستخدام المكثف لأجهزة الاستشعار والأجهزة المتصلة ستساعد في تقدم الخدمات الطبية ومرونتها، من خلال توفير إمكانية متابعة الحالة الصحية للمرضى في المنزل بصورة لحظية، وخاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، عوضاً عن الطرق التقليدية ذات التكلفة العالية.

كما يمكن تلخيص الفوائد التي تعود على قطاع البيع بالتجزئة من استخدام أنظمة الاتصالات المتقدمة على النحو التالي: ستساعد هذه الأنظمة صناعة التجزئة على إدارة أفضل للمخزون، بالإضافة إلى سلاسل التوريد الخاصة بها، من خلال تتبع تدفق المواد الخام والمنتجات، وجعل البيانات متاحة لجميع أطراف المنظومة داخل سلسلة التوريد، بالإضافة إلى استخدام تقنية الواقع المعزز لتوفير معلومات محسنة عن المنتجات للمتسوقين. أيضًا، ستساعد هذه التقنيات في تقليل الزمن اللازم لإنهاء عمليات الشراء داخل المتاجر. وكذلك ستكون شبكات الاتصال المتقدمة الأساس لاستئصال الفجوة الرقمية حول العالم، كما سبق ذكره. إن وجود مثل هذه الشبكات عالية السرعة سيعزز تجربة المستخدمين الحالية، ويفتح الأبواب لنماذج استخدام وعمل جديدة كانت غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق في الماضي.

أما بالنسبة للعائد الاقتصادي لهذه التقنيات، فإنه من المتوقع أن تضيف أنظمة الاتصالات المستحدثة حوالي 2 تريليون دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030، وذلك بسبب تحسين الأنشطة التشغيلية الناتجة عن استخدام نظم الاتصال المتقدم، باعتباره عامل التمكين الرئيسي للتحول الرقمي الجذري. علاوة على ذلك، ستقدم هذه التقنيات وسيلة لإدراج أكثر من 200 مليون شخص حول العالم، في المجتمع الرقمي لأول مرة. كما سيكون قطاع التصنيع المستفيد الأكبر من تقدم أنظمة الاتصالات، حيث من المتوقع أن تضيف هذه التقنيات أكثر من 270 مليار دولار إلى هذا القطاع بحلول عام 2030، بالإضافة إلى أن ما يقرب من 130 مليار دولار إلى صناعة الخدمات، بما في ذلك قطاعات الرعاية الصحية والتعليم، وكذلك حوالي 96 مليار دولار لقطاع الخدمات العامة والحكومية، كما أشار تقرير صادر عن الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول (جي إس إم إيه) في عام 2022.

ويصاحب تطور شبكات الاتصالات تطوراً آخر في غاية الأهمية، وهو تقنية الحوسبة القريبة Edge Computing. لقد قطعت الحوسبة شوطًا طويلاً منذ أربعينات القرن الماضي. في البداية كان جهاز الحاسب الآلي يمكن أن يؤدي مهمة واحدة فقط في كل مرة، وكان لابد من تشغيل العديد من أجهزة الحاسبات عند أداء مهام متعددة، ثم بدأت مرحلة توصيل مجموعة من الحاسبات الآلية ببعضها البعض، لتشكل شبكة من تلك الأجهزة، والتي عادة كانت تستخدم لتبادل الملفات فيما بينها. وتلي ذلك ظهور أجهزة الحاسبات الشخصية ونظم التشغيل متعدد المهام التي جعلت من الممكن تشغيل مهام متعددة على نفس الحاسب الآلي. ومع الوقت وانخفاض أسعار الحاسبات الآلية ونظم تخزين المعلومات، شرعت المؤسسات حول العالم في استخدام النظم الحوسبة المختلفة، وربطها ببعضها البعض. وبالتأكيد أدي ظهور الانترنت في تسعينات القرن العشرين، وزيادة سرعات الاتصال به، وما تلا ذلك من تطور تقنيات الشبكات، إلى ارتفاع معدلات استخدام الحاسبات وربطها من خلال الشبكات المختلفة، وظهور مفهوم الحوسبة الشبكية إلى النور. ومن ثم بدأ المهندسون والمطورون في التفكير في طريقة لإنشاء حاسبات افتراضية متعددة داخل نفس الجهاز، وهذا أدى إلى مفهوم المحاكاة الافتراضية التي من خلالها يمكن أن يعمل نفس الحاسب الآلي كحاسب كمتعدد الأغراض بصورة افتراضية، كأنه عدة حواسب تعمل في نفس الوقت. وكخطوة طبيعية في اتجاه مزيد من التقدم في هذا المجال، جاءت منظومة الحوسبة السحابية Cloud Computing، في بدايات الألفية الثالثة، والقائمة على وجود العديد من الحاسبات الآلية شديدة التطور داخل مراكز بيانات عملاقة، التي نتعامل معها في كل لحظة الآن طالما كانت حاسباتنا الآلية أو هواتفنا الذكية متصلة بشبكة الانترنت.

وفي تطور آخر، ففي المستقبل القريب جداً، ستكون النقاط الحاسوبية أقرب إلى المستخدمين النهائيين لتحسين زمن انتقال البيانات والحصول على استقلالية بيانات أفضل. لن تعتمد النقاط الحاسوبية على مراكز البيانات العملاقة فحسب، بل ستعتمد أيضًا على نقاط مختلفة أقرب إلى المستخدمين النهائيين، وهذا سيتضمن الهواتف الذكية والأدوات والأجهزة القابلة للارتداء والكاميرات أو ما يسمى (Device Edge). أيضًا، ستشمل هذه النقاط المركبات المتصلة ببعضها البعض (Remote Edge)، وكذا منافذ البيع بالتجزئة والمطاعم وفروع المؤسسات (Branch Edge)، والمصانع والمطارات والمستشفيات (Enterprise Edge)، ونقاط الدخول إلى الشبكة ونقاط تجميع البيانات (Network Edge). وهذا لإضفاء اللامركزية على عملية الحوسبة والقيام بالعمليات الحاسوبية في الوقت الفعلي عند نقطة تواجد المستخدم النهائي.

وستفتح هذه التقنيات الناشئة آفاقًا جديدة للعديد من التطبيقات، مثل متابعة المركبات وحركة المرور لحظياً، لتحسين مسارات السير وزيادة كفاءة تشغليها طبقاً للحالة الفعلية لحركة المرور وبصورة آنية، بما يزيد من كفاءة منظومة النقل العام والخاص على حد سواء. أيضًا، ستشكل هذه التقنية أساساً لتحسين تقنيات القيادة الذاتية للمركبات، حيث ستكون قادرة على معالجة البيانات الكبيرة الناتجة عن الأنظمة الداخلية والخارجية للمركبات ذاتية القيادة في الوقت الفعلي. بالإضافة إلى ذلك، ستساعد هذه التقنية خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك تشخيص وإدارة المرضى عن بُعد، وتتبع الأدوية النشطة. علاوة على ذلك، ستعزز تلك التقنية من سلامة القوى العاملة في المواقع المختلفة، من خلال عمليات المتابعة اللحظية لحالة مواقع العمل في الوقت الفعلي، مع ملاحظة حالة المعدات بصورة منتظمة، وتحسين إجراءات الصيانة الخاصة بها، من أجل زيادة كفاءتها.

علاوة على ذلك، ستزيد تلك النوعية من الحوسبة المتطورة من تطوير تبادل المحتوى المحلي، وإدارة منظومة الطاقة والأصول المتعددة داخل المرافق وصيانتها بشكل استباقي، ومراقبة التلوث، وتوفير المحتوى بصفة تفضيلية لمستخدمي الشبكات طبقاً لاحتياجاتهم الشخصية بالإضافة إلى تقديم العروض الترويجية لهم بصورة أكثر فعالية ودقة، وكذا تحسين منظمة الأمن داخل المطارات ومحطات القطارات والموانئ، بتطوير عملية متابعة الركاب وتحليل تصرفاتهم.

ستكون تلك النوعية من الحوسبة المتطورة مكملاً لمجال الحوسبة السحابية المتنامي، فلم تعد الحوسبة السحابية تقدم بشكل عام من خلال شبكات عمومية أو خاصة من خلال شبكات مخصصة لاستخدام بعض المؤسسات دون غيرها، لكنها أصبحت هجينة وخليط بين العام والخاص. ومن المتوقع أن يعمل نموذج الحوسبة الهجينة على تحسين التكلفة التشغيلية لأكبر 500 شركة في العالم بمقدار 1 تريليون دولار بحلول عام 2030. كما أن التطور السريع في استخدام الخدمات التشاركية، مثل البنية التحتية كخدمة (Infrastructure-as-a-Service IaaS)، والمنصات كخدمة (Platform-as-a-Service PaaS)، والبرمجيات كخدمة (Software-as-a-Service SaaS) سيساهم في نمو هذا القطاع بمعدل نمو سنوي مركب بنسبة 25٪ تقريبًا، ليصل لحجم إنفاق يقدر بحوالي 300 مليار دولار بحلول عام 2030. علاوة على ذلك، من المتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على الحوسبة القريبة حوالي 250 مليار دولار في عام 2025 بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10٪. كما ستوفر الحوسبة القريبة لكل من المؤسسات العامة والخاصة آلية مرنة لتحقيق استقلالية وأمان أفضل للبيانات بأقل زمن انتقال. وستضمن الحوسبة القريبة الامتثال للقوانين واللوائح المتعلقة بحماية البيانات، والتي اقرتها العديد من الدول حول العالم، حيث ستسمح الحوسبة القريبة بتحكم أفضل في البيانات عن طريق تقليل اعتماد البيانات على مراكز البيانات العملاقة. علاوة على ذلك، ستعمل الحوسبة القريبة على تعزيز تدابير أمان البيانات، وتحسين عامل الثقة الرقمي بين الأفراد والمؤسسات، حيث إن معالجة البيانات فقط على السحابة العامة Public Cloud تكون دائمًا محل شك لدي جمهور مستخدمي الشبكات، بسبب الصورة الذهنية الكلاسيكية باحتمالية وجود لاختراق البيانات من قبل قراصنة المعلومات، بسبب استخدام البنية التحتية المشتركة. بالإضافة إلى ذلك، فإن انخفاض الفترة الزمنية لمعالجة البيانات باستخدام الحوسبة القريبة سيفتح الأبواب لبناء تطبيقات جديدة ومستحدثة، والتي تعتمد على معالجة البيانات لحظياً، مثل القيادة الذاتية للمركبات، والمصانع الذكية، والخدمات اللوجستية ذاتية التفكير، وإدارة المرافق والخدمات الفعالة.

ومن هنا تأتي أهمية متابعة التكنولوجيات البازغة ودراسة تأثيراتها من كافة الجوانب، كونها دوماً هي السبب في تغيير طريقة حياتنا وطرق أداءنا للأعمال العامة والخاصة، بما يحقق الرفاهية للبشر، ويجعل دولاً ومجتمعات أكثر تقدماً ومرونة وقدرة على امتصاص الصدمات، ومنها الصدمات الكبيرة الناجمة عن كارثة جائحة كورونا الصحية أو الحرب المشتعلة بين الجانب الروسي والأوكراني، وما تلاها من أزمة اقتصادية طاحنة.

وبدون الالتفات إلى تلك التطورات التكنولوجية ونماذج أعمالها، ستكون الأمور أكثر صعوبة على الدول والمجتمعات، التي ستغفل عن الحقيقة الراسخة، وهي أن الشيء الثابت الوحيد في الدنيا هو التغيير.

محمد عزام

الأمين العام المساعد المجلس العربي للمسؤولية المجتمعية

عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا

استشاري التحول الرقمي

حساب تويتر @mazzam_egy

زر الذهاب إلى الأعلى