د. عبد الراضي رضوان يكتب: العلاج النفسي لأمراض وسائل التواصل الاجتماعي.. روشتة علاج الحكيم أبي الأسود الدؤلي

ربما لم يكن قد خطر ببال أبي الأسود الدؤلي التابعي الجليل والعالِم النحوي العبقري وأمير البصرة عندما أبدع قصيدته التي وضع بها خارطة طريق لآداب التعامل المثالي بالمجتمع أنها ستصبح روشتة علاجية لأمراض مجتمعية قد استحكمتْ بمجتمعاتنا ، وأنه سيأتي يوم يشهد فيه المجتمع حاجةً ماسَّةً وحتميةً إلى تلك الخارطة الإصلاحية لآداب التعامل بعد أن تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدوات للتقاطع ، والتنافر ، والتنابز بالألقاب ، والاحتراب بالكلمات ، والتخاصم بين الأقارب والأصحاب ، وسبيل لقطع الأرحام ، وطريق لرمي الناس بالأباطيل والافتراءات والاتهامات وأخذهم بالشبهات وتناول الأعراض بما تَخِرُّ له الجبال هَدّاً وتسقط الأفلاك هَوْلاً من شدة البهتان.
لكنه ببصيرته الإيمانية والعقلية النافذة قد أَدرك منذ البدء أن السبب في تلك الأمراض نفسيٌّّ بالمقام الأول ، ولذلك وضع روشتة علاجية ذات مراحل ثلاثة :
المرحلة الأولى
يفسر فيها أسباب تلك الأمراض وعوامل نشأتها وتسلطها على المجتمع ، وأن هذا السبب يرجع إلى داء الحسد الذي تسبب في لعنة إبليس وطرده من رحمة الله لرفضه تكريم آدم ووقوعه في عصيان الأمر الإلهي بالسجود لآدم بدافعٍ من الحسد له.
فالأضرار المعنوية التي تصيب الإنسان من جرَّاء العداوة والخصومة الحاصلة على وسائل التواصل الاجتماعي إنما ترجع كذلك إلى حسد الخصوم المألوف والمعروف لأنهم لم يستطيعوا أن ينالوا ما توصل إليه المحسود بجهده واجتهاده وتوفيق الله له ، ولأن الحاسد لم يستطع كتمان مايشعر به في نفسه المشتعلة ناراً تأكل بعضها فإنه لم يجد أمامه سوى سلوكين معيبين :
أولهما: إنكار كل فضل وميزة وفضيلة للمحسود تماما كما تفعل ضرائر المرأة الحسناء عندما يرمينها بالقبح والدمامة مع أن وجهها يشرق في الظلام كأنه البدر المنير المتلألئ الذي تبدو النساء الأخريات إلى جواره وكأنهن نجوم صغيرات.
الثاني : رميه بالنقائص والمعايب والمثالب والقبائح من الخصال.
المرحلة الثانية
يبين فيه الحكيم أبو الأسود الدؤلي مظاهر وأعراض المرض المتفشي في المجتمع الموبوء بالمرض النفسي مثل المجتمع الافتراضي بوسائل التواصل الاجتماعي .
تلك الأعراض المتمثلة في الشتم ، والسب ، والقذف ، والتنابز بالألقاب ، والتعريض ( التلقيح ) ، وإلقاء الاتهامات المرسلة ، وإطلاق الإشاعات المغرضة ، وترويج الأخبار الكاذبة.
ويؤكد أن ما ينالُ المشتومَ من جرَّاء أعراض هذا المرض النفسي لا يرجع لعيب في المشتوم أو إلى جُرْم قد جناه على نفسه أو على غيره فاستحق بسببه شيئًا من ذلك.
فهو لم يرتكب جُرما أو يذنب ذنباً ، لكنه حسد من عند الحاسد الشاتم الذي يستعظم نعمة الله ويستكثرها على المشتوم ، فتلك النعمة تصبح في يد الحاسد لها وكأنها سيف صارم يقطع به عِرض المشتوم ويهدم به مجده وبنيانه.
المرحلة الثالثة
هي مرحلة علاج المرض والتخلص من آثاره وأعراضه المادية والمعنوية.
وهذه المرحلة تستهدف تقديم العلاج للمريض النفسي ، وتوفير التحصين والوقاية لأصحاء النفس الأسوياء سواء أكانوا من المشتومين أم من غيرهم .
وتبدأ المرحلة بتشخيص حالة المريض بأنه سفيهٌ ، والسفه والسفاهة – كما هو معلوم – هي الاختلال في الرأي والفكر أو في الأخلاق نتيجة عدم رسوخ العقل أو الفضيلة ، وبالتالي يكون السفه في الأمور الدنيوية كما يكون في الأمور الدينية ، فالسفيه هو عديم العقل ظاهر الجهل فاسد الرأي حقير النفس أسير الطغيان دائم العصيان غير مُبالٍ بما هو كائن أو كان .
ولذلك يُمنع السفيه شرعاً وقانوناً من التصرف فيما يملك ويتم الحَجْر عليه إلى أن يعود إلى رشده .
وهنا يبدأ دور التحصين والوقاية من السقوط في براثن السفيه والإصابة بعدوى السفاهة كي لاينتقل فيروس السفاهة فيتساوى الصحيح السويُّ مع السفيه في الحالة المرضية التي تستوجب العلاج النفسي ، وكي لا يناله عقاب الحَجْر والمنع من التصرف والانتقال من مربع العقلاء والأسوياء إلى مربع السفهاء المرضى المحجور عليهم.
وكذلك كي لا يكون ظالما بعد أن كان مظلوما ؛ لأنه بصفته عاقلا رشيدا مدركا أن السفه مذمومٌ وخطيئةٌ إن قام بعمل من أعمال السفيه أو اتصف بصفة من صفاته من خلال محاورة السفيه أو مجاراته في الأخذ والرد والشد والجذب فقد قام بالعمل نفسه الذي استوجب اللوم على السفيه ، وبذلك يستوجب اللوم على نفسه ويكون قد جمع على نفسه بين الذمّ لها والظلم معاً.
……………
حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ
فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ
كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها
حَسداً وَبَغياً إِنَّهُ لَدَميمُ
وَالوَجهُ يُشرُقُ في الظَلامِ كَأَنَّهُ
بَدرٌ مُنيرٌ وَالنِساءُ نُجومُ
************
وَتَرى اللَبيبَ مُحسَّداً لَم يَجتَرِم
شَتمَ الرِجالِ وَعَرضُهُ مَشتومُ
وَكَذاكَ مَن عَظُمَت عَليهِ نِعمَةٌ
حُسّادُه سَيفٌ عَليهِ صَرومُ
************
فاِترُك مُحاوَرةَ السَفيهِ فَإِنَّها
نَدمٌ وَغِبٌّ بَعدَ ذاكَ وَخيمُ
وَإِذا جَريتَ مَع السَفيهِ كَما جَرى
فَكِلاكُما في جَريهِ مَذمومُ
وَإِذا عتِبتَ عَلى السَفيه وَلُمتَهُ
في مِثلِ ما تأَتي فَأَنتَ ظَلومُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ
عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ
ابدأ بِنَفسِكَ وَانَها عَن غِيِّها
فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ










