د. محمد عزام يكتب: الاقتصاد التشاركي.. اقتصاد الغرباء
في عام 1999، أطلقت شركة ناشئة تدعى “نابستر” مفهوم “دمقرطة التكنولوجيا”. مفهوم جديد طل علينا وغير النموذج الاقتصادي لمختلف الصناعات في العالم من حولنا. فأصبح كل شيء متاح لكل شخص، وبالمجان في أغلب الأحوال، في دولة الانترنت، والتي يبلغ تعداد سكانها نصف سكان الأرص.
في أقل من ثلاث سنوات، تمكنت نابستر من توفير خدمات مشاركة الملفات من شخص إلى شخص على الشبكة العنكبوتية، إلى أكثر من 80 مليون مستخدم، وخاصة الموسيقى، إلى أكثر من 80 مليون مستخدم.
كانت نابستر أولى منصات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت. ونتيجة لذلك، ظهرت منصة “ماي سيبس” في أغسطس 2003، وبعدها شهد العالم ظهور منصات النجوم الساطعة، مثل فيسبوك وتويتر، في عامي 2004 و2006.
في ذلك الوقت، كانت نابستر تمنح الأفراد خيار مشاركة الموسيقى بحرية بدلاً من دفع ثمنها. وكان هذا غير قانونياً بسبب انتهاك حقوق النشر، لذا اضطرت الشركة إلى إيقاف عملها، وبعدها استحوذت عليها شركة Roxio ثم شركة Rhapsody من Best Buy في ديسمبر 2011.
وشهد أواخر التسعينيات من القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين، نتيجة نابستر، هزة كبيرة لصناعة الموسيقي، بل صناعة الترفيه ككل، كون كل الأعمال الفنية أصبحت متاحة للكل، وبالمجان في أغلب الأحوال. فتلك الصناعة، التي تقدر بالمليارات من الدولارات، أصبحت على شفا جرف عميق، لأن القائمين عليها لم يستوعبوا أن هناك نموذجاً جديداً غير أصول اللعبة، ولم يكونوا مؤهلين للتعامل مع الوسيط الجديد “الانترنت” وأدواته.
وكان نموذج نابستر بمثابة شرارة إطلاق نوع جديد من الاقتصاد، الاقتصاد التشاركي، اقتصاد الغرباء. مفهوم جديد يعتمد على المعاملات الصغيرة من قبل مئات الملايين، بل مليارات من المستخدمين، فيما بينهم.
وتبنى عمالقة آخرين مثل شركة آبل بقيادة الساحر المبتكر “ستيف جوبز” هذا النموذج، حيث أنشأوا iTunes، أكبر متجر موسيقى على الإنترنت.
في فبراير 2013، أعلنت شركة آبل عن بيع 25 مليار أغنية من خلال متجر iTunes الخاص بها. علاوة على ذلك، صرحت شركة آبل أن العملاء أجروا عمليات شراء بقيمة 240 مليون دولار في الأول من يناير 2017. وكان هذا أكثر الأيام ازدحامًا لمتجرهم الالكتروني على الإطلاق، وحقق مطورو التطبيقات عليه 20 مليار دولار في عام 2016.
وبالمثل، وباتباع نفس النموذج، قدمت منصات مثل نتفليكس وأمازون خدمات البث التليفزيوني عند الطلب. لقد غيرت تلك الشركات الطريقة التي يشاهد بها الناس التليفزيون للأبد.
فاليوم، تبلغ قيمة نتفليكس السوقية أكثر من 228 مليار دولار. وقامت هذه المنصة بالتواجد فيما يقرب من 190 دولة في جميع أنحاء العالم. ويمكن لمشتركي نتفليكس البالغ عددهم أكثر من 200 مليوناً الوصول إلى مكتبتها التي تحتوي على أكثر من خمسين ألف عمل فني على مستوى العالم.
كما تستخدم تلك المنصات، أمثال نتفليكس وأمازون، علوم تحليلات البيانات، لتطوير استراتيجيتها الإنتاجية والدعائية والتسويقية، بطريقة مبتكرة باستمرار، لتقديم ما يحتاجه مشاهديها طبقاً، لاتجاهاتهم وسلوكهم على الانترنت. وهذا شيء سيغير صناعة الإعلام، لتكون أكثر تحديداً وملائمة لكل فرد على سطح الكوكب.
كما دخل موقع “يوتيوب” اللعبة أيضاً مغيراً صناعة الإعلام والترفيه. اليوم، هناك ما يسمى “نجوم يوتيوب” أو “يوتيوبرز”، وهم أشخاص بدأوا حياتهم المهنية على يوتيوب وحققوا شهرة وشعبية من مقاطع الفيديو الخاصة بهم عليه. وهذا بخلاف مشاهير الغناء والتمثيل المعروفين لدينا، والذين لم يبدؤا حياتهم المهنية من خلال اليوتيوب.
وطبقاً لما هو منشور على موقع مجلة “فوربس” الشهيرة بتاريخ 18 ديسمبر 2020، فإن “رايان كاجي” هو صاحب المركز الأول على اليوتيوب، فقناته “عالم رايان” لديها 41.7 مليون مشترك ومقاطع الفيديو الخاصة به تم مشاهدتها 12.2 مليار مرة! نعم 12.2 مليار مرة، لا يوجد خطأ في الرقم! وحصل رايان على دخل بقيمة أكثر من 29 مليون دولار في العالم السابق من قناته على اليوتيوب، بخلاف ما يقارب 200 مليون دولار من الشركات الراعية.
ولكن هل تدرون ما هو عمر “رايان كاجي”؟ الإجابة … تسع سنوات! نعم تسع سنوات. أصغر مليونير في العالم حقق ثروته من خلال قناة على منصة افتراضية.
كما يبلغ دخل أصحاب المراكز العشرة الأولي على اليوتيوب أكثر من 200 مليون دولار سنوياً من خلال الإعلانات على قنواتهم، التي لديها عشرات “الملايين” من المشتركين، وعليها مقاطع فيديو يتم مشاهدها عشرات “المليارات” من المرات.
عالم جديد تماماً يهز عرش كل ما هو مألوف.
وترجع هذه الظاهرة ببساطة إلى أن الشباب وجيل الألفية يقضون وقتاً أطول في مشاهدة مقاطع الفيديو عبر الانترنت باستخدام أجهزتهم المحمولة. كما أن لدى موقع مثل الفيسبوك أكثر من 2.9 مليار مستخدم، وموقع يوتيوب أكثر من مليار مستخدم، ويمثلا أكبر قاعدة لمشاهدة الفيديوهات حول العالم. وأيضاً فإن مشاهير منصات التواصل الاجتماعي أصبحوا أكثر تأثيراً كونهم أكثر قرباً لمعجبيهم ويتفاعلون معهم ويشكلون الاتجاهات لديهم، مما أدى إلى تغيير العلاقة بين هؤلاء المشاهير ومتابعيهم إلى صداقة بدلاً من كونهم مجرد معجبين، وهو ما لا ينطبق على النجوم التقليديين.
ثم جاء للمشهد شركة “أوبر” وشركة “أير بي أند بي” ليقدما نموذجاً آخراً للاقتصاد التشاركي. نموذج يتقاسم فيه الغرباء سياراتهم ومنازلهم مع غرباء آخرين باستخدام تطبيق على الهواتف المحمولة. شكل جديد للاقتصاد التشاركي … اقتصاد الغرباء!
تمكنت أوبر من إكمال أول مليار رحلة في ليلة عيد الميلاد عام 2015 بعد ما يقرب من 5 سنوات من التشغيل، ثم تمكنت الشركة من مضاعفة هذا الرقم في ستة أشهر فقط، حيث حققت 2 مليار رحلة في يونيو 2016. اليوم تعمل أوبر في أكثر من 700 مدنية حول العالم، ولديها ما يقارب أربعة ملايين سائق على التطبيق الخاص بها. كما وصلت عدد رحلات الشركة إلى أكثر من 15.8 مليار رحلة، محققة دخل يصل إلى حوالي 14 مليار دولار في 2019. كما من المتوقع أن تصل قيمتها السوقية إلى 70 مليار دولار عند الطرح في البورصة.
وأعلن ترافيس كالانيك، مؤسس أوبر وهو من مواليد 1975، في 31 يناير 2017، أن الشركة قد أبرمت اتفاقية مع عملاق تصنيع السيارات “ديملر” للتعاون في مجال السيارات ذاتية القيادة، حيث ستقوم “ديملر” بتوفير سياراتها ذاتية القيادة بحيث تكون متاحة للمستخدمين على شبكة أوبر. كما وظفت أوبر مهندس الطائرات الذي كان يعمل في مركز أبحاث لانجلي التابع لناسا “مارك مور”، لتطوير “سيارة طائرة” يمكنها الإقلاع والهبوط على غرار طائرات الهليكوبتر. مفهوم أنه إذا أصبح حقيقة، فلن يؤدي فقط إلى تغيير صناعة النقل بأكملها، ولكن أيضاً سيغير حياتنا للأبد.
وعلى خطى “أوبر” جاءت “أير بي أند بي”، والتي تم تأسيسها في عام 2007، ولكن في مجال مشاركة الغرباء لمنازلهم وبيوتهم مع غرباء آخرين. وطبقاً للمنشور على الموقع الالكتروني الرسمي للشركة في مارس 2021، فإنها لديها أكثر من أربعة ملايين مضيف، لديهم ما يقارب 5.6 مليون غرفة موزعة على أكثر من 100 ألف موقع فيما يزيد عن 220 دولة حول العالم، قاموا باستضافة أكثر من 800 مليون ضيف، من خلال استخدامهم للتطبيق على هواتفهم المحمولة. وتتراوح الخدمة المقدمة لعملاء الشركة من مشاركة سرير في غرفة بحي متواضع في أحدي مدن كينيا إلى الإقامة بشقة فاخرة أمام متحف اللوفر بباريس إلى إيجار ضيعة بالريف البريطاني أو قصر يطل على بحيرات سويسرا.
واستطاعت الشركة خلال الثمانية الأعوام الأولي أن يكون لديها قائمة تضم أكثر من مليون غرفة، ليصل هذا الرقم إلى 5.6 مليون غرفة حول الكرة الأرضية، ولا شيء مملوك لها، أي شركة بلا “أصول ثابتة” كما هو الحال في أوبر. في حين منافسها الأول “ماريوت” استغرق منه الأمر حوالي 65 عاماً ليكون لديه 1.38 مليون غرفة في 134 دولة، بأصول تصل إلى أكثر من ملياري دولار.
وتبلغ القيمة السوقية في مارس 2021 لشركة “أير بي أند بي” ما يزيد عن 107 مليار دولار، حيث تم تداول سهمها بالبورصة في ديسمبر 2020، في حين تبلغ القيمة السوقية لمنافسها “ماريوت” ما يقارب 48 مليار دولار، أي أقل من نصف قيمة تطبيق على الهاتف المحمول، لا يزيد عمره عن أربعة عشر عاماً.
تطبيق على الهاتف المحمول لشركات، بلا أصلاً ثابتاً واحداً، يبلغ قيمته السوقية عشرات المليارات من الدولارات.
أهذا جنوناً أم واقعاً جديداً يحكمه قواعد جديدة للعبة؟
ثم انتقلت مفاهيم “الأوبرة” إلى القطاع المالي أيضاً. فشهد السوق الأمريكي ميلاد منصات الإقراض من غريب لغريب خارج المنظومة البنكية ومتطلباتها الكثيرة والمعقدة. وشكلت تلك المنصات للمستثمرين فرصة لتحقيق عائد أعلى على الاستثمار، مقارنة بالبدائل التقليدية، مثل سوق الأوراق المالية والسندات الحكومية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أنه يمكن للمستثمرين البدء باستثمار 25 دولاراً فقط في تلك المنصات، وبعائد على الاستثمار قد يصل إلى 30%.
وتعتبر منصة Lending Club أي “نادي الإقراض” الأشهر في هذا المجال، وتم تأسيسها في عام 2006 كأحدي التطبيقات على الفيسبوك. وتقوم المنصة بتقديم خدمات الإقراض المتناهي الصغر إلى الأفراد والشركات بفترات سداد من ثلاثة إلى خمس سنوات، حيث تتراوح قيمة القرض للأفراد من ألف دولار إلى 40 ألف دولار، وقيمة القرض للشركات من 15 ألف دولار إلى 300 ألف دولار، وبإجمالي قروض وصلت إلى أكثر من 11 مليار دولار. وتقوم المنصة بتقديم القروض للمقترض خلال أربعة أيام فقط، مقابل فائدة تتراوح بين 1%-5% حسب نوعية المخاطر المتعلقة بالقرض، واعتماداً على نظام التصنيف الائتماني الذي طوره المنصة. وتبعها على نفس الدرب منصات أخري مثل “بروسبر” و”أبستارت”.
كما تسببت آلية التمويل عبر الانترنت في حدوث خلل آخر في النظام المالي التقليدي، فهناك كذلك ما يسمى سوق العملات الرقمية مثل “البتكوين” وغيرها من العملات الرقمية المستحدثة، ظهر بالتزامن مع آليات التمويل عبر الواقع الافتراضي. حيث أصبح هناك إمكانية للأفراد والشركات لتداول العملات الافتراضية وتبادلها. نموذج جديد خارج سيطرة البنوك المركزية بالكامل في جميع أنحاء العالم.
على الرغم من ذلك، بدأت العديد من البنوك المركزية والمؤسسات الدولية في إدراك تأثير هذا الظاهرة التكنولوجية، وتطوير السياسات اللازمة للتعامل مع هذا النموذج غير المسبوق.
العملات الرقمية ستعيد تشكيل النظام المالي العالمي من جديد. وسوف يتم مناقشته ذلك بصورة أكثر استفاضة لاحقاً في هذا الكتاب.
منظومة الاقتصاد التشاركي تخلق فرصاً للشركات الناشئة لتزدهر وتخلق ثروة، بينما تفتح آفاقاً لزيادة فرص العمل بين الطبقة الوسطى في المجتمع. من ناحية أخرى، هذه المنظومة غير خاضعة بشكل كبير للتنظيم ولمراقبة الحكومات، وتغير بشكل خطير العديد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية القائمة. وهذا يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، قطاعات الترفيه والإعلام، وقطاع النقل، وقطاع السياحة والضيافة، والقطاع المالي والمصرفي، وحتى نماذج الأعمال الحكومية.
مرة أخرى، منظومة الاقتصاد التشاركي لها جانب آخر يجب النظر إليه، دعنا نري ما هو!
فنري أن الجانب الأكثر تحدياً للحكومات، فيما يتعلق بنماذج الاقتصاد التشاركي، هو كيفية تنظيم مثل هذا الاقتصاد الصاعد والذي ينمو بنسب مطردة، حيث كان قيمة معاملات هذا الاقتصاد حوالي 14 مليار دولار فقط في عام 2014، لتقفز إلى 335 مليار دولار بحلول عام 2025، حسب دراسة صدرت مؤخراً من معهد بروكينجز الشهير بالولايات المتحدة.
كما أن آلية حصول الحكومات على الضرائب من المعاملات التي يقوم بها الأفراد لأفراد آخرين خارج النظام المالي التقليدي، تعتبر أيضاً تحدياً جديداً، بل مستحدثاً، أمام صانعي السياسيات حول العالم.
فالضرائب هي مصدر التمويل للحكومات. ويمثل الاقتصاد التشاركي تهديداً محتملاً للحكومات في هذا الصدد، حيث يعتمد الاقتصاد التشاركي على آليات يصعب فرض ضرائب عليها.
فنري مثلاً أن المسافرين حول العالم يقوموا بصرف ما يقارب تريليون دولار سنوياً رحلات العمل والترفيه. وهذا ينتج حوالي 150-200 مليار دولار من الضرائب في السنة.
هذه النوعية من الضرائب معرضة للخطر، إذا أصبحت منصة مثل أير بي أند بي إلى جانب منصات مماثلة هي الوسيلة الرئيسية للسفر. مما جعل المشرعون في ولاية مثل فيرجينيا لطرح مشروع قانون يهدف إلى إجبار الأفراد الذين يؤجرون منازلهم من خلال تلك المنصات على تسجيل أسمائهم وعناوينهم في مدنهم، فضلاً عن فرض الضرائب على المستأجرين، وتوقيع العقوبات على المخالفين.
كما قامت بعض الحكومات بعمل تشريعات لتنظيم أعمال تطبيقات التنقل على الهاتف المحمول؛ ولكن أغلبها تشريعات غير فاعلة ولم تجد طريقاً سهلاً على أرض الواقع.
ومع هذا كله وعلى الرغم من وجود تلك النوعية من الاقتصاد الصاعد بقوة، فإن معظم الحكومات بطيئة في فهم هذه النوعية المستحدثة من الاقتصاد “اقتصاد الغرباء”.
وتحاول الحكومات السيطرة على هذا الاقتصاد، أما بحظره أو التعامل معه وفقاً للنماذج الاقتصادية والتشريعية القديمة. إنهم مثل شخص ما يحاول إيقاف القطار بالوقوف أمامه!
فمنصات الاقتصاد التشاركي تعمل على تطوير مجتمعات افتراضية لا تراها الحكومات، وبلغت معاملات تلك المجتمعات الافتراضية فيما بينهم مئات المليارات سنوياً، بعيداً عن النظم الاقتصادية التقليدية.
ومن ناحية أخرى، فإن المبتكرين أسرع من الحكومات.
إنهم لا ينتظرون الحكومات لتنظيم مثل هذه النوعية من الأعمال. حيث يبتكر المبتكرون، وبأنفسهم دون انتظار لأي أحد، إجراءات وآليات، مرنة ومناسبة ودائمة التحديث، لتقليل أي أخطار أو انتهاكات مرتبطة بهذا الاقتصاد الجديد الوارد إلينا من خلال شاشات الحاسبات الآلية والهواتف الذكية.
اقتصاداً يبدو أنه خارج سيطرة الحكومات لحين إشعار آخر.
محمد عزام
الأمين العام المساعد المجلس العربي للمسؤولية المجتمعية
عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا
استشاري التحول الرقمي
حساب تويتر @mazzam_egy










