مقالات الرأى

د. عبد الراضي رضوان يكتب: الحب الأشقى …!

إذا كانت أنواع الحب أربعة ترتيبها من حيث القيمة والسمو والأهمية والضرورة:
1- حب الله تعالى ورسله الكرام
2- الحب الإنساني
3- الحب الشخصي بين الزوجين
4- حب الموجودات ، والكائنات غير العاقلة

فإن الحب الإنساني هو أكثرها شقاء وصعوبة ، لأننا عندما نحب الله تعالى فإننا نحب مطلق النور والكمال والجمال والجلال ، ونحب المنعم المتفضل علينا بنعمة الحياة والوجود والعقل والرزق ……..الخ.

وعندما نحب الرسل نحبهم كذلك لسمو طبيعتهم المصطفاة ، ولكمال أخلاقهم وسلوكهم المتفرد نظرا لكونهم معصومين ، ونحبهم لسابق فضلهم في هدايتنا لطريق الصلاح والرشاد وإرشادنا لسبيل الفوز والنعيم بسعادة الدارين الأولى والآخرة ، ويلحق بهذا النوع من الحب حبّ الوالدين اللذين جاء التأكيد على محبتهما والإحسان إليهما أمراً مقروناً بعبادة الله وتوحيده نظراً لجميل فضلهما على الإنسان.

وعندما نقع فى الحب الشخصى الزوجي ، فإننا نقع فيه مختارين بسبب وجود أسباب ومظاهر وعلامات المحبة التي تروقنا وتوافق طباعنا فى الطرف الآخر ، وهذه الأسباب والمظاهر والعلامات تأخذنا إلى الإحساس الذاتى بالسعادة والصفاء والمودة والرحمة ، وذلك ثمن عظيم وعاجل نتلقاه مباشرة مقابلا لهذا الحب.

أما الحب الإنساني فإننا مطالبون فيه بمحبة كلٍّ من:
1- مَنْ لم يبلغ الكمال فى الجمال أو الجلال .
2- مَنْ ليس له سابقة فضل علينا أو سالفة عطاء
3- مَنْ ليس من ذوي الأخلاق الكريمة أو القلوب الرحيمة
4- مَنْ لم يوافقنا فى الطبع أو السجية
5- مَنْ لم نستشعر منه مَيْلا أو توافقا معنا أو قُرْبا لنا
6- مَنْ أنكر الجميلَ والإحسان إليه ونسي أفضالنا والأيادي البيض عليه فتَنَكَّر لكل ذلك وقام بكل خِسّة بالإساءة إلينا.
بل إننا مُطَالَبون فى هذا اللون من الحب الشقي أن نحب من لم يعرف الحبَّ أو يدري ما المحبة ، أو تكون قد أشرقت فى نفسه يوما أنوارُها.

لهذا يوصف هذا اللون من الحب بأنه أشقُّ أصناف الحب ؛ لأنه محفوف بالمكاره ، وهذا اللون من الحب هو مقصود الرسالات السماوية والمستهدف تأسيسه فى العلاقات بين بنى البشر نظرا لعموم نفعه وعظمة تأثيره.

وقد جاء تأسيس هذا اللون من الحب بالأمرالمباشر من الأنبياء ، فيقول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فى موعظته الفريدة على الجبل بالإصحاح الخامس من إنجيل متى:
( أحبُّوا أعداءَكم .. صَلُّوا من أجل مضطهديكم.
مَنْ لطمك على خدك الأيمن فأَدِرْ له الأيسر ، ومَنْ أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك فاترُك له رداءك أيضا ، ومَنْ سخَّرك مِيلا فسِرْ معه مِيلين ).

أما تقنين شرائع هذا اللون من الحب فجاء بيانه من محمد صلى الله عليه وسلم الذى لخّص إياها فى ثلاث شرائع:
أولا : أن تعطي مَنْ حَرَمك
ثانيا : أن تعفو عمّن ظلمك
ثالثا : أن تصل مَنْ قطعك

ولأن هذه الأعمال شاقة عسيرة على النفس ويحب الإنسانُ أن ينال ثمرتها ولا يحب أن يعاني فى فعلها وأدائها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الإيمان متوقفا على هذا الصنف من الحب:
( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ).

فهل نستطيع أن نستجيب لنداء المحبة الشاقة الذي لا تتحقق إنسانيتنا إلا به كما قال إيلياأبو ماضي:
إن نَفْساً لم يشرق الحب فيها، هي نَفْسٌ لمْ تَدْر ما معناها ؟ وهل نستطيع الاستجابة لنداء المحبة الذي لا يتحقق كمال الدين والإيمان إلا به كما قال ابن عربي :
أَدينُ بِدِين الحب أَنَّى توجهتْ ركائبُه فالحبُّ دِيني وإيماني؟

أ د عبد الراضي رضوان – العميد السابق لكلية دار العلوم – جامعة القاهرة.

زر الذهاب إلى الأعلى