
إن حرب أكتوبر المجيدة لم تكن مجرد معركة عسكرية خاضها الآباء والأجداد لاسترداد الأرض وصون الكرامة، وإنما كانت ملحمة وطنية وإنسانية عظيمة، عبر فيها شعبنا من مرارة الهزيمة والانكسار إلى فخار النصر وعزة الانتصار، ومن الشعور بالعجز إلى استعادة الثقة في النفس والقدرة على صنع المستحيل.
لقد أثبت أبطال أكتوبر أن إرادة الشعوب، حين تتسلح بالإيمان والعلم والتخطيط والتكاتف، قادرة على تجاوز أصعب المحن وعبور أشد الأزمات.
وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة العبور لتحرير الأرض واستعادة الكرامة، فإن الأجيال التي جاءت بعده مطالبة بأن تخوض عبورها الخاص، عبورًا من تحديات الحاضر إلى آفاق المستقبل، ومن الاكتفاء بأمجاد الماضي إلى صناعة أمجاد جديدة، ومن مواجهة المخاطر الظاهرة إلى إدراك المخاطر التي قد تتسلل إلى العقول والوجدان قبل أن تهدد الأرض والحدود.
إننا اليوم في حاجة ماسة إلى معركة الوعي، معركة لا تقل أهمية عن معارك السلاح، بل ربما كانت شرطًا أساسيًا للانتصار في سائر المعارك.
فالأوطان لا تُحمى بقوة الجيوش وحدها، على عظمة دورها ومكانتها، وإنما تُحمى أيضًا بوعي أبنائها، وتماسك نسيجها الوطني، وقوة اقتصادها، وتقدم تعليمها، وكفاءة مؤسساتها، وأمنها الغذائي والمائي والصحي والتكنولوجي، وقدرتها على إنتاج المعرفة ومواجهة الشائعات والتضليل ومحاولات بث الفرقة واليأس.
ومن هنا، فإن الأمن القومي ليس شأنًا عسكريًا أو شرطيًا فحسب، بل هو منظومة متكاملة تتداخل فيها كل مقومات الحياة، فالمعلم الذي يبني عقلًا واعيًا، والطبيب الذي يحفظ صحة الإنسان، والعامل الذي يتقن عمله، والمزارع الذي يزرع أرضه، والعالم الذي ينتج معرفة نافعة، والإعلامي الذي يتحرى الحقيقة، والفنان الذي يغرس قيم الانتماء والمسؤولية؛ جميعهم يسهمون، كلٌّ من موقعه، في بناء قوة الوطن وصون أمنه.
ولعلنا نغفل أحيانًا عن الدور بالغ الأهمية الذي تؤديه الثقافة والفنون في تشكيل الوعي الجمعي، فالدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، والأغنية ليست مجرد لحن وكلمات، وإنما يمكن أن تكونا وسيلتين مؤثرتين في بناء الشخصية الوطنية، وتعزيز الانتماء، وترسيخ قيم التضحية والعمل والإنتاج والتسامح، وتقديم القدوة الإيجابية، وتحصين المجتمع من الأفكار الهدامة.
فالكلمة الصادقة قد تبني وعيًا، والمشهد المسؤول قد يصحح مفهومًا، والأغنية التي تلامس وجدان الناس قد توقظ فيهم حب الوطن والشعور بالمسؤولية تجاهه.
وهذا الدور لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، وإنما يحتاج إلى مضمون جاد، وإبداع حقيقي، واحترام لعقل الجمهور، وتقديم أعمال فنية تعكس واقع المجتمع وتحدياته، وتفتح نوافذ الأمل، وتربط الحرية بالإبداع والمسؤولية، وتمنح الأجيال الجديدة أسبابًا حقيقية للفخر بوطنها والثقة في قدرتها على تطويره.
إن الوفاء لجيل أكتوبر لا يكون باستعادة ذكريات النصر وحدها، ولا بالاكتفاء بالاحتفال ببطولاته، وإنما يكون باستلهام روحه، روح الانضباط والعمل والتضحية والوحدة والإصرار.
فكما اجتمع المصريون حول هدف العبور في أكتوبر، فإننا مطالبون اليوم بأن نجتمع حول أهداف البناء والتنمية، وأن ندرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة.
تلك هي رسالتنا إلى الأجيال الجديدة، أن نعتز بالماضي دون أن نعيش في ظلاله، وأن نفهم الحاضر دون أن نستسلم لتحدياته، وأن نصنع المستقبل بالعلم والعمل والوعي والانتماء.
حفظ الله مصر، وحفظ جيشها وشرطتها، وصان شعبها، ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والتقدم والازدهار.
تحيا مصر بإرادة أبنائها، ويستمر العبور ما دام فينا وعي يحمي، وعمل يبني، وانتماء يصون، وأمل لا ينطفئ.
لواء/ يحيى عبد الكريم
مساعد وزير الداخلية سابقا










