د. أمل جمال سليمان تكتب: تعزيز الانتماء الوطني.. بناء الإنسان وركيزة المستقبل
مقالات للرأي

إن الشعور بالانتماء للأهل والوطن ليس دستورًا يُملى، ولا مسارًا يُفرض عبر التوجيهات والأوامر النصية، كما أنه يستعصي على أساليب الإغراء أو مسارات الترهيب. الانتماء في جوهره عملية نماء مستمرة تتردد أصداؤها متناغمة مع مفهوم التربية ببعده الممتد والعميق؛ إنه النتاج الطبيعي والتلقائي لبيئة ينشأ فيها الإنسان. يولد الطفل ليرى حوله والديه، وإخوته، والدائرة الممتدة من العائلة والجيران وبقية أعضاء الحي أو المنطقة، حيث يُسهم كل فرد منهم، بطريقته الخاصة، في إشباع احتياجات ذلك الكائن الناشئ. ومن هنا، تبدأ نبتة الانتماء — بوصفه ذلك الشعور والسلوك والعقيدة التي يمتلكها الشخص نحو بيئته ومن حوله ووطنه، وإيمانه بهم وتوحده معهم — في التشكل الأوليّ عبر تلبية الحاجات الأساسية للطفل من مأكل ومشرب وملبس، مقترنةً بتوفير الحنان والعطف ووسائل الترفيه واللعب مع الأقران، والأمان الجسدي والنفسي، وغير ذلك مما يسميه علماء الطفولة وعلماء النفس بصورة عامة وسائل وعوامل ووسائط التنشئة الاجتماعية.
ولذلك، لا نستغرب أبداً أن نجد الكثير من الناس في شعوب العالم المختلفة يتشربون قيم المواطنة مع تحقيق الحاجات الأساسية لهم كأطفال، وتنمو معهم هذه القيم بنموهم على مدى العمر، بل وتقوم كثير من الدول بالتخطيط لغرس مفاهيم المواطنة للمواطنين مع مراحل النمو المبكرة، ومن خلال الأسرة والمدرسة بشكل مخطط له ومدروس ومتابع. ويجب أن نعلم أن المحافظة على المفاهيم الإيجابية للمواطنة ترتبط كذلك مع تقدم العمر بتحقيق بعض الحاجات النفسية والاجتماعية، مثل تحقيق الذات والطموح في الحياة، وكذلك العدالة الاجتماعية والمشاركة في القرارات التي تخص أصحاب الشأن، فضلاً عن توفير قدر كافٍ من الحرية الشخصية والاجتماعية والدينية والتأمين على المستقبل وغيرها من الحاجات الأساسية التي تنمو مع نمو الإنسان. وحين نلحظ مدى توفر مثل هذه الحاجات وبخاصة الأساسية منها في أي بلد، فإننا نجد انتماءً عالياً.
ولكي نقوم بتعزيز الولاء والانتماء والمواطنة، لا بد من توفر عدة عوامل؛ أولها التربية بمفهومها الواسع، حيث إنها مصدر أساسي في النمو الفكري والشخصي والاجتماعي والسياسي والروحي والبدني. وتأتي بعدها التربية المقصودة أو النظامية المتمثلة في المدرسة، والتي تُعد الممثل الرئيسي للقيام بمثل هذه المهمة الوطنية من خلال المعلم والمنهج المدرسي وبيئة المدرسة والنشاطات التي تقوم بأدوار مهمة جداً في تعزيز الولاء والانتماء والمواطنة الحقيقية، والتي يشارك من خلالها الطلاب في الأنشطة والأعمال المختلفة، وكذلك الزيارات للآثار والمكتسبات والموارد والكنوز التي يمتلكها الوطن، والتي تجسد تاريخ وهوية الوطن بشكل مادي ومعنوي ملموس.
ويأتي كذلك عامل الأسرة، وهو عامل ربما يعده بعضهم أهم من أي عامل آخر بحكم أن كلاً منا يولد ويعيش ويتربى داخل الأسرة أولاً وأخيراً، بل ويتعلم ويتشرب كثيراً من القيم والعادات والسلوكيات من داخلها. ورغم الاتفاق مع هذا الرأي، إلا أنه بعد تطور التكنولوجيا بمفرزاتها المختلفة والهائلة، مثل الأقمار الصناعية والشبكات العنكبوتية والحاسبات الآلية ووسائل الاتصال المختلفة من جوالات وغيرها، فقد تضاءل دور الأسرة وضعف بعد الغزو الفضائي والتكنولوجي المنافس للدور الرئيسي للأسرة، فضلاً عن السعي اللاهث لأفراد الأسرة للرزق الأساسي والترفيهي، مما أدى إلى تحول العبء الرئيسى إلى المدرسة، مع الأمنيات بأن تستعيد الأسرة دورها الحقيقي الذي لا غنى عنه للقيام به تجاه تنشئة الأبناء التنشئة الصحيحة والمساهمة الفاعلة لتنمية وتعزيز دور المواطنة والانتماء.
وهناك أيضاً عوامل مؤثرة أخرى ومهمة في عملية التنشئة الاجتماعية وتعزيز المواطنة والانتماء، وهما الإعلام بوسائله المختلفة والدراما، اللذان اصبحا يشكلان الوعي والإدراك المجتمعي نحو قضايا عديدة. ويتجلى لنا بعد هذا الاستعراض أن عوامل تعزيز الانتماء والولاء والمواطنة عملية معقدة ومتشابكة وتخضع لعدة اعتبارات ومؤثرات، ولا بد لتحقيقها من إجراء الدراسات للوقوف على واقعها الحالي، ومن ثم تحديد مستواها ووصف الكيفية التي يمكن من خلالها تعزيزها ضمن خطط وبرامج إستراتيجية، مع التركيز على النشء في عملية التخطيط بعيد المدى. ولا بد أن ندرك تماماً أن تعزيز الانتماء الوطني يتم من خلال مجموعة من الأساليب والوسائل المتكاملة التي تشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وكل ما هو مؤثر في وجدان النشء والشباب.
…..
د. أمل جمال سليمان
(وكيل وزارة الشباب والرياضة سابقًا – استشاري قطاع مناحي الحياة بمؤسسة مصر الخير)










