د.علي المبروك أبوقرين يكتب: شرق المتوسط من تفاوت النظم الصحية إلى شراكة إقليمية تصون حق الإنسان في الصحة
مقالات للرأي

في الوقت الذي يجتمع فيه وزراء الصحة وقادة النظم الصحية في الدورة الثالثة والسبعين للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، تبرز الحاجة إلى قراءة واقعية لمشهد صحي إقليمي شديد التعقيد، تتجاور فيه الإمكانات العلمية والمالية والتكنولوجية المتقدمة مع نظم صحية تواجه أعباء النزاعات والانهيار المؤسسي والفقر ونقص الموارد، وتتعرض فيه شعوب كثيرة لمخاطر متزامنة تتجاوز قدرة المؤسسات الوطنية على مواجهتها منفردة. إن الإقليم على اتساعه وتنوع دوله واختلاف أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا يواجه أزمة صحية واحدة، وإنما مجموعة من الأزمات المتداخلة التي تتفاوت في حدتها وأسبابها، وتتقاطع في آثارها على حياة الإنسان وأمن المجتمعات واستقرار الدول. وتكشف القراءة الموضوعية للواقع الإقليمي عن مجموعة أنماط عامة من البيئات الصحية ليست باعتبارها تصنيفا نهائيا للدول وإنما إطارا لفهم اختلاف الاحتياجات وتوجيه التعاون. هناك نظم تعمل في بيئات النزاعات المسلحة والطوارئ الإنسانية والانهيار أو التعطل الواسع للمؤسسات حيث يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات وإنقاذ الأرواح وتأمين الأدوية والمياه المأمونة أولوية يومية. وهناك نظم تواجه عدم الاستقرار السياسي والأمني وتراجع القدرة المؤسسية فتتعثر فيها استمرارية الخدمات والتخطيط والتدريب والاستثمار الصحي. وهناك نظم تعمل تحت ضغوط اقتصادية ومالية واجتماعية تحد من قدرتها على تمويل الرعاية وتوفير الكوادر والأدوية والتقنيات، وتزيد تعرض الأسر للإنفاق الصحي المرهق. وفي المقابل توجد نظم تمتلك قدرات مالية ومؤسسية وعلمية وتقنية أوسع، وتتيح لها إمكاناتها الإسهام في تطوير المعرفة والتدريب والتصنيع والإمداد والاستجابة الإقليمية. وقد تتداخل هذه الأنماط داخل الدولة الواحدة وتتغير بمرور الزمن، لكن إدراكها ضروري حتى لا تُقاس الاحتياجات المتباينة بمعيار واحد، ولا تُقدم الحلول ذاتها لظروف مختلفة جذريا. ولا تتوقف آثار هذا التفاوت عند حدود كل دولة فالأوبئة والأمراض المعدية ومقاومة مضادات الميكروبات ومخاطر الغذاء والمياه والتغير المناخي والكوارث الطبيعية وحركة السكان وانقطاع سلاسل الإمداد لا تعترف بالحدود السياسية. كما أن انهيار الخدمات الصحية في أي جزء من الإقليم قد يفضي إلى تداعيات تتجاوز جغرافيته، فيما يظل نقص التمويل والكوادر المتخصصة وضعف المختبرات وأنظمة الترصد والاستعداد للطوارئ عائقا مشتركا، وإن اختلفت درجاته. ومن ثم فإن أمن الصحة الإقليمي لا يمكن أن يقوم على قوة بعض النظم مع ترك نظم أخرى تواجه التهديدات وحدها وإنما يحتاج إلى شبكة تعاون ترفع القدرة الجماعية على الوقاية والكشف المبكر والاستجابة والتعافي. وهنا تبرز مسؤولية المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع الدول الأعضاء وشركائها، في الانتقال من التنسيق العام وتبادل الالتزامات إلى بناء آليات تعاون مؤسسية قابلة للتنفيذ والقياس. ويبدأ ذلك بتقييم إقليمي دوري لاحتياجات النظم الصحية وقدراتها ومواطن هشاشتها، يستند إلى بيانات موثوقة ومؤشرات واضحة، ويحدد الفجوات في التمويل والقوى العاملة والرعاية الأولية والمستشفيات والمختبرات والدواء والتجهيزات والبنية الرقمية والاستعداد للطوارئ. وينبغي أن يقود هذا التقييم إلى خطط دعم متباينة بحسب الحاجة وأولويات زمنية معلنة، وأهداف قابلة للمتابعة، مع مراعاة سيادة الدول وأولوياتها الوطنية وعدم تحويل المؤشرات إلى أحكام تختزل تعقيد واقعها. كما تقتضي الشراكة الجادة تطوير آليات إقليمية لتجميع الطلب على الأدوية واللقاحات والمستلزمات الأساسية، وتعزيز الشراء المشترك حيثما كان مجديا، وتنسيق المخزونات الاستراتيجية وخطط الإمداد في حالات الطوارئ، ودعم النظم الوطنية للرقابة الدوائية وضمان الجودة ومكافحة المنتجات المغشوشة أو المتدنية النوعية. ويوازي ذلك إنشاء مسارات عملية لتبادل الخبرات وتدريب الكوادر وإتاحة فرص التأهيل التخصصي، وتعزيز التعاون بين الجامعات والمراكز المرجعية والمختبرات، وتطوير شبكات إقليمية للترصد الوبائي والإنذار المبكر وتبادل البيانات وفق ضوابط تحمي الخصوصية وتضمن سلامة المعلومات. ويحتاج الإقليم كذلك إلى آلية تضامن صحي تضمن سرعة الاستجابة للنظم الأكثر تعرضا للأزمات، وتساعد على استمرارية خدمات الرعاية الأولية والأمومة والطفولة والتطعيم والأمراض المزمنة والسرطان والصحة النفسية، حتى في ظروف النزوح والنزاع والكوارث. فالمريض المصاب بالسكري أو السرطان لا تتوقف حاجته إلى العلاج بسبب الحرب، والطفل لا يستطيع تأجيل التطعيم إلى حين استقرار الأوضاع، والمستشفى الذي يفقد إمداداته أو كوادره يحتاج إلى دعم سريع ومنظم لا إلى تعهدات مؤجلة. ويتطلب ذلك تنسيقا بين الدول والمنظمة والوكالات الإنسانية والجهات الممولة، بما يقلل ازدواجية البرامج وتشتت الموارد، ويجعل الدعم أكثر ارتباطا بالاحتياجات الفعلية واستدامة الخدمات. وفي المقابل لا ينبغي أن يتحول التعاون الإقليمي إلى اعتماد دائم على المساعدات الخارجية، وإنما إلى وسيلة لبناء القدرة الوطنية وتعزيز السيادة الصحية. فالدول التي تمتلك الموارد المالية أو القدرات التصنيعية أو الخبرات العلمية تستطيع أن تسهم في تطوير الإنتاج الإقليمي ونقل المعرفة وتدريب الكوادر، وبناء قدرات البحث والابتكار، فيما تستفيد جميع الدول من توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر الإمداد وتقليل التعرض للصدمات العالمية. ولا يتحقق ذلك إلا بشراكات عادلة وشفافة وتوزيع واضح للمسؤوليات، والتزام مستمر بالاستثمار في الصحة باعتبارها أساسا للتنمية والاستقرار والأمن الإنساني، إن نجاح اجتماعات اللجنة الإقليمية ليس بعدد الملفات التي تناقشها أو القرارات التي تعتمدها فقط وإنما بما تحدثه هذه القرارات من تغيير ملموس في حياة الناس وهل تقلصت الفجوات في الحصول على الرعاية؟ وهل أصبحت الأدوية الأساسية أكثر توافرا وأمانا؟ وهل تحسنت قدرة الدول على اكتشاف الأوبئة واحتوائها؟ وهل باتت الكوادر الصحية أكثر استعدادا وتأهيلا؟ وهل أصبحت المجتمعات الأشد هشاشة أقل عرضة لفقدان الخدمات عند وقوع الأزمات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم آلية متابعة معلنة، وتقارير دورية تقيس النتائج، وتحدد مواطن التعثر، وتتيح للدول التعلم المتبادل وتصحيح المسار. إن إقليم شرق المتوسط لا يحتاج إلى افتراض أن نظمه الصحية متشابهة وإنما إلى الاعتراف بأن اختلافها يجعل التعاون أكثر ضرورة لا أقل. ولا يحتاج إلى وصفات موحدة تتجاهل تفاوت الموارد والاحتياجات، وإنما إلى رؤية إقليمية مشتركة تُترجم إلى حلول مرنة وعادلة ومتكاملة، تجعل قوة النظم الأكثر قدرة سندا لتطوير النظم الأشد احتياجا، وتجعل الخبرة موردا مشتركا، والاستعداد للطوارئ مسؤولية جماعية، وحماية الإنسان غاية لا تقبل التجزئة. إن الصحة حق إنساني وصونها مسؤولية وطنية وحمايتها في إقليم مترابط مسؤولية تتجاوز الحدود. ومن هنا فإن الرسالة الأهم إلى المكتب الإقليمي والدول الأعضاء هي أن تضييق الفجوات الصحية ينبغي أن يتحول من مبدأ معلن إلى مشروع إقليمي مستمر بتمويل واضح وأهداف قابلة للقياس وشراكات عملية والتزامات متبادلة. فليس المطلوب أن تصبح جميع النظم الصحية متطابقة وإنما أن تمتلك كل دولة القدرة على حماية سكانها، وأن يجد كل إنسان الرعاية التي يحتاج إليها دون أن تحدد ظروف بلده أو دخله أو موقعه الجغرافي فرصته في الحياة. وعندما يصبح التعاون الإقليمي قادرا على حماية الأضعف، وتعزيز استعداد الجميع، وتقاسم المعرفة والموارد بمسؤولية وعدالة، يصبح شرق المتوسط أكثر قدرة على مواجهة أزماته، وأكثر اقترابا من مستقبل صحي آمن يستحقه أبناؤه جميعا..










