أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

الشباب في قلب التحديث: نحو استراتيجية وطنية شاملة للتنمية الشبابية في مصر

بقلم: د.محمد ممدوح عبدالله

عندما نتحدث عن الشباب في مصر، فإننا لا نتحدث عن فئة عمرية ضمن فئات المجتمع، ولا عن قطاع تختص به وزارة بعينها، وإنما نتحدث عن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة. فالشباب هم القوة البشرية التي ستدير مؤسساتها، وتقود اقتصادها، وتحمل مسؤولية إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتكوين الأسر، والمحافظة على تماسك المجتمع خلال العقود المقبلة. ومن ثم فإن وضع الشباب في قلب عملية التحديث ليس خيارًا اجتماعيًا تكميليًا، بل ضرورة تنموية واستراتيجية.

لقد قطعت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة شوطًا مهمًا في تطوير البنية الأساسية، وإنشاء المدن والطرق والمناطق الصناعية، وتوسيع شبكات الطاقة والاتصالات، ورقمنة عدد متزايد من الخدمات العامة. غير أن استدامة هذه التحولات ترتبط في النهاية بنوعية الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها والاستفادة منها. فالبنية الأساسية المادية يمكن إنشاؤها خلال سنوات محدودة، أما بناء الإنسان فهو عملية ممتدة تبدأ بالتنشئة والتعليم، وتمر بتكوين الشخصية واكتساب المهارات، وتنتهي بقدرة الفرد على العمل والإنتاج والمشاركة وتحمل المسؤولية.

ولهذا فإن الاستثمار في الشباب ينبغي النظر إليه باعتباره استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري للدولة. فالاقتصادات الحديثة لم تعد تتنافس فقط على الموارد الطبيعية أو حجم الاستثمارات، وإنما تتنافس بصورة متزايدة على المعرفة والمهارات والإبداع والقدرة على الابتكار. ومع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تصبح جودة العنصر البشري أكثر أهمية، لأن الأدوات التكنولوجية ذاتها تصبح محدودة القيمة إذا لم يوجد الإنسان القادر على استخدامها بصورة منتجة ونقدية وأخلاقية.

وقد بذلت الدولة بالفعل جهودًا مهمة في مجال الشباب، سواء من خلال تطوير مراكز الشباب والمنشآت الرياضية، أو برامج التدريب والتأهيل والقيادة وريادة الأعمال، أو توسيع مساحات المشاركة والحوار، أو البرامج الموجهة لتنمية المهارات الرقمية والمهنية. كما يمثل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة 2025–2032 خطوة مهمة نحو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى إطار أكثر تنظيمًا واستدامة.

غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير هذا المسار في اتجاه استراتيجية وطنية شاملة للتنمية الشبابية، لا تقتصر على قطاع الشباب والرياضة، وإنما تدمج مختلف السياسات التي تؤثر في حياة الشاب داخل إطار واحد. فالشاب لا يعيش حياته وفق التقسيم الإداري للوزارات؛ فهو طالب في منظومة التعليم، وباحث عن عمل في سوق الاقتصاد، ومستفيد من خدمات الصحة، ومستخدم للتكنولوجيا، وفاعل داخل المجال الثقافي والاجتماعي، ومواطن يعيش داخل قرية أو مدينة. ولذلك فإن احتياجاته مترابطة، ولا يمكن التعامل معها بصورة فعالة من خلال برامج قطاعية منفصلة.

ومن هنا تصبح التنمية الشبابية مسؤولية الحكومة بأكملها. فوزارة التربية والتعليم تؤثر في السنوات الأساسية لتكوين الشخصية والمهارات، والتعليم العالي مسؤول عن الانتقال من المعرفة الأكاديمية إلى الحياة المهنية، ووزارة العمل معنية بربط المهارات باحتياجات سوق العمل، ووزارة الاتصالات مسؤولة عن بناء القدرات الرقمية، ووزارة الثقافة شريك في تشكيل الوعي والهوية والقدرة على التعبير والإبداع، بينما ترتبط الصحة بالصحة الجسدية والنفسية، وترتبط التنمية المحلية بقدرة الشباب على المشاركة في مجتمعاتهم، وتملك وزارات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار إمكانات واسعة لتحويل القدرات الشبابية إلى نشاط اقتصادي وفرص إنتاج حقيقية.

ومن المهم في هذا السياق الانتقال من مفهوم تقديم الخدمات للشباب إلى مفهوم بناء قدراتهم. فنجاح السياسة الشبابية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الندوات أو المتدربين أو المبادرات التي تم تنفيذها، وإنما بالتغير الذي أحدثته هذه البرامج في حياة المشاركين. فالسؤال الأكثر أهمية بعد أي برنامج تدريبي هو: هل أصبح الشاب أكثر قدرة على العمل؟ وهل استطاع استخدام المهارة الجديدة في الحصول على وظيفة أو بدء مشروع؟ وهل ساعده البرنامج على تحسين قدرته على اتخاذ القرار أو التواصل أو الاستقلال الاقتصادي؟

كما ينبغي ألا تختزل التنمية الشبابية في التعليم والتوظيف فقط، رغم مركزيتهما. فالشاب يحتاج أيضًا إلى مهارات الحياة، والوعي المالي، والقدرة على التفكير النقدي، وإدارة الوقت، والتعامل مع الضغوط، وبناء العلاقات السليمة، وفهم الاختلاف، والحفاظ على الصحة النفسية والجسدية. ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري كذلك بناء وعي رقمي يمكن الشباب من التحقق من المعلومات، وحماية الخصوصية، وفهم المخاطر المرتبطة بالخوارزميات والمحتوى المضلل، واستخدام التكنولوجيا باعتبارها أداة للتعلم والإنتاج لا مجرد وسيلة للاستهلاك.

ويمثل التعليم المجال الأكثر أهمية للبدء في هذا التحول. فالمطلوب أن ينتقل النظام تدريجيًا من التركيز على نقل المعرفة إلى بناء القدرة على استخدامها. ولا يكفي أن يخرج الطالب بشهادة دراسية، بل ينبغي أن يمتلك مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات والعمل الجماعي والتواصل والتعلم المستمر. ويمكن تطوير نظام يسمح للشاب ببناء ملف متكامل للمهارات والخبرات، يشمل إلى جانب المؤهل الدراسي ما اكتسبه من تدريب عملي وتطوع ومهارات رقمية ولغوية ومشروعات تطبيقية.

ويمكن أن تؤدي مراكز الشباب دورًا أكبر في هذا التصور، بحيث تتحول تدريجيًا من منشآت يغلب عليها النشاط الرياضي إلى منصات للتنمية المحلية، توفر التوجيه المهني، والتعلم الرقمي، والأنشطة الثقافية، والتطوع، ومساحات الابتكار والعمل المشترك، والربط بين الشباب وفرص التدريب والعمل. وتزداد أهمية هذا الدور في القرى والمناطق البعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى، حيث يمكن للمركز أن يصبح نقطة وصول حقيقية إلى الفرص.

كما تحتاج الاستراتيجية إلى الاعتراف بأن شباب مصر ليسوا كتلة متجانسة. فاحتياجات الشباب تختلف بين المحافظات، وبين المدن والقرى، وبين الشباب والشابات، وبين خريجي الجامعات والتعليم الفني، وبين الشباب من ذوي الإعاقة وغيرهم. ولذلك فإن التخطيط الوطني يجب أن يصاحبه تخطيط محلي يعتمد على البيانات، ويحدد خصائص الشباب والفرص الاقتصادية والتحديات الاجتماعية في كل محافظة.

وفي النهاية، فإن القضية الأساسية ليست إصدار وثيقة جديدة، وإنما بناء منظومة تجعل الشباب محورًا فعليًا لصناعة المستقبل. المطلوب هو تطوير الجهود الحكومية القائمة وربطها داخل إطار واحد، وإيجاد مؤشرات واضحة لقياس الأثر، وإشراك الشباب أنفسهم في تصميم السياسات وتقييمها، وربط الاستثمار في التعليم والصحة والثقافة والعمل والتكنولوجيا بهدف مشترك هو بناء إنسان قادر على التعلم والعمل والابتكار والمشاركة.

زر الذهاب إلى الأعلى