أخبار ومتابعات

أ. د. فايد محمد سعيد يكتب: شهداء الرجيع… حين انتصرت المحبة على الموت

متابعات يوتوبيا

ليست كل أحداث التاريخ جديرة بأن تُستعاد لمجرد أنها وقعت، فالتاريخ مزدحم بالحروب والانتصارات والهزائم، وبأسماء ملأت زمانها ثم غابت. لكن بعض الوقائع تتجاوز زمنها ومكانها، لأنها تضع الإنسان أمام أسئلة لا تنتهي: ما قيمة الوفاء حين يصبح ثمنه غاليًا؟ وإلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يتمسك بمبادئه حين يواجه الموت؟ وهل يمكن للعنف أن ينهي فكرة، أو يمحو أثرًا، أو ينتصر على محبة صادقة؟

من هذه الزاوية يمكن قراءة حادثة الرجيع، التي وقعت في السنة الرابعة للهجرة، لا باعتبارها واقعة دينية تخص المسلمين وحدهم، بل بوصفها قصة إنسانية عن التعليم والثقة والغدر والوفاء، وعن رجال خرجوا ليعلّموا، فانتهت رحلتهم إلى الموت، لكن رسالتهم بقيت بعدهم.

تروي مصادر السيرة النبوية أن جماعة من قبيلتي عضل والقارة قدموا إلى النبي محمد ﷺ، وطلبوا منه أن يرسل معهم من يعلّمهم الإسلام ويقرئهم القرآن. كان الطلب، في ظاهره، طلبًا للمعرفة والتعليم، فاستجاب النبي ﷺ وأرسل عددًا من أصحابه لهذه المهمة. وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة في القصة؛ فالرجال الذين غادروا المدينة لم يخرجوا في حملة عسكرية، ولم تكن مهمتهم فتح أرض أو جمع مال، وإنما خرجوا استجابة لطلب بالتعليم. غير أن الرحلة تحولت إلى كمين.

عند ماء يُعرف بالرجيع، تعرضت المجموعة للغدر بعد أن استُنفرت ضدهم جماعة من بني لحيان. حُوصر الرجال، وقُتل بعضهم، وأُسر آخرون، ومن أبرز من حفظت المصادر أسماءهم: عاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة. وبعيدًا عن تفاصيل الصراع الذي كان يحيط بالجزيرة العربية في ذلك الوقت، فإن في المشهد سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الدين والجغرافيا: ماذا يحدث للمجتمعات عندما تتحول الثقة إلى فخ، ويصبح طلب المعرفة وسيلة لاستدراج من جاء ليعلّم؟

إن الاختلاف بين البشر أمر طبيعي؛ نختلف في الدين والثقافة والسياسة والمصالح، وربما نختلف اختلافًا عميقًا، لكن الحضارة تبدأ حين يبقى للاختلاف سقف أخلاقي لا يجوز تجاوزه. ومن أهم هذا السقف ألا تتحول الثقة إلى أداة للغدر.

ربما كان أكثر ما أبقى حادثة الرجيع حاضرة في الذاكرة الإسلامية هو ما نُقل عن بعض رجالها في اللحظات الأخيرة من حياتهم. أُسر زيد بن الدثنة، ونُقل إلى مكة، حيث كان ينتظره القتل. وقبل مقتله سأله أبو سفيان، وكان آنذاك من خصوم النبي محمد ﷺ قبل أن يدخل الإسلام لاحقًا، سؤالًا شديد القسوة في دلالته: هل تحب أن يكون محمد مكانك الآن، وأنت آمن بين أهلك؟

كان يمكن لرجل ينتظر الموت أن يتمنى النجاة بأي ثمن، أو أن يقول ما يرضي من يملكون مصيره، لكن زيدًا أجاب بأنه لا يرضى أن تصيب محمدًا ﷺ شوكة في مقابل أن يعود هو سالمًا إلى أهله. وأمام هذا الجواب قال أبو سفيان عبارته الشهيرة في وصف العلاقة التي رآها بين النبي وأصحابه: «ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمدٍ محمدًا».

وأهمية هذه الشهادة أنها لم تصدر عن واحد من أتباع محمد ﷺ، وإنما عن رجل كان يقف يومئذ في المعسكر المقابل. وهنا تتحول القصة من مجرد واقعة قتل إلى سؤال عن معنى المحبة نفسها: كيف يستطيع قائد أو معلم أن يترك في نفوس من حوله هذا القدر من الوفاء؟

ربما تكمن الإجابة في أن المحبة التي تدوم لا تُصنع بالأوامر. يمكن للسلطة أن تفرض الطاعة، ويمكن للخوف أن يصنع الصمت، لكن من الصعب أن يصنعا ذلك النوع من الوفاء الذي يظهر عندما لا تكون هناك منفعة منتظرة، بل يكون الثمن هو الحياة نفسها.

أما خبيب بن عدي، فقد واجه مصيرًا مشابهًا. وحين اقترب موعد قتله، طلب أن يصلي ركعتين. ثم خشي أن يظن قاتلوه أنه أطال الصلاة خوفًا من الموت، فأنهى صلاته ومضى إلى مصيره. وتنسب إليه المصادر أبياتًا أصبحت من أشهر ما حفظته الذاكرة الإسلامية:
«ولستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا
على أيِّ جنبٍ كان في الله مصرعي»

يمكن للمؤمن أن يقرأ هذه الكلمات باعتبارها تعبيرًا عن الإيمان بالله والثبات عليه، ويمكن للقارئ غير المسلم أن يقرأ فيها أيضًا ظاهرة إنسانية عرفتها حضارات كثيرة: قدرة الإنسان على التمسك بما يؤمن به عندما يصبح التخلي عنه هو الطريق الأسهل للنجاة.

لكن من المهم هنا التمييز بين تمجيد الموت وبين احترام الإنسان الذي يرفض بيع ضميره خوفًا من الموت. فالقيمة التي تستحق الاحتفاء ليست الموت في ذاته. الحياة هي الأصل، وحفظها مقصد عظيم، والسلام خير من الحرب، والأمن خير من الخوف. لكن التاريخ الإنساني يحفظ باحترام أولئك الذين وجدوا أنفسهم أمام الموت دون أن يكونوا طلابًا له، ثم رفضوا أن يجعلوا الخوف منه سببًا للتخلي عن مبادئهم. وهذا هو المعنى الذي يمنح قصة الرجيع بعدها الإنساني.

وبالنسبة إلى المسلمين، تمثل هذه الحادثة واحدًا من أكثر الشواهد تأثيرًا على محبة الجيل الأول للنبي محمد ﷺ. لكن اختزال هذه المحبة في العاطفة وحدها يظلم معناها. فالمحبة التي صنعت تلك العلاقة لم تكن مجرد كلمات مديح، وإنما ارتبطت بنموذج أخلاقي عاشه النبي ﷺ بينهم: الرحمة، والصدق، والعدل، والصبر، والعفو، ومشاركة الناس أفراحهم وآلامهم.

ولهذا فإن السؤال الأهم بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا ليس: كم نتحدث عن محبتنا للنبي؟ بل: ماذا تفعل هذه المحبة في أخلاقنا؟ إذا كانت المحبة لا تجعل الإنسان أكثر رحمة بالضعيف، وأكثر صدقًا في معاملاته، وأكثر وفاءً بعهده، وأكثر احترامًا لكرامة المختلف عنه، فما الذي بقي منها سوى الاسم؟

وهذه ليست قضية إسلامية فقط، فكل منظومة أخلاقية تواجه الاختبار نفسه: ليست قيمة المبادئ في جمال الكلمات التي تصفها، وإنما في قدرتها على تغيير سلوك من يؤمنون بها.

وهناك جانب آخر في قصة الرجيع يستحق أن نتوقف عنده اليوم: هؤلاء الرجال خرجوا في مهمة تعليمية. وهذه الصورة تجعل الحادثة قريبة بصورة مؤلمة من عالمنا المعاصر، الذي لا يزال يشهد في أماكن مختلفة مقتل المعلمين والأطباء والعاملين في الإغاثة والصحفيين ورجال الدين وغيرهم ممن يدخلون مناطق الخطر وهم يحملون معرفة أو دواء أو كلمة أو مساعدة.

تختلف الأزمنة والأسباب والسياقات، لكن المبدأ الأخلاقي واحد: حين يصبح المعلّم هدفًا، يخسر المجتمع أكثر من إنسان؛ إنه يعتدي على المعرفة نفسها. وحين يُقتل صاحب رسالة لأنه يحمل فكرة مختلفة، لا تكون الخسارة خسارة طرف واحد، وإنما خسارة للمساحة التي تسمح للبشر بأن يتحاوروا بدل أن يقتل بعضهم بعضًا.

ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي لرجال الرجيع لا يكون بتحويل قصتهم إلى مادة للكراهية تجاه الآخرين، ولا باستدعاء صراعات الماضي لإنتاج صراعات جديدة. على العكس تمامًا؛ إذا كانت قصتهم قد بدأت برحلة للتعليم، فإن أجمل وفاء لهم أن تبقى المعرفة جسرًا بين الناس، وأن يبقى الحوار بديلًا عن العنف، وأن يصبح الاختلاف سببًا للتعارف لا مبررًا للغدر.

في القراءة السريعة للتاريخ، قد يبدو أن المنتصر هو من بقي حيًا، أو من امتلك السلاح، أو من استطاع أن يفرض إرادته في لحظة معينة. لكن الزمن يمتلك مقياسًا مختلفًا. فالذين قُتلوا في الرجيع انتهت حياتهم في ذلك اليوم، لكن أسماءهم وقصصهم بقيت حاضرة قرونًا طويلة، لا بسبب قوة امتلكوها، وإنما بسبب القيم التي جسدوها في لحظة الضعف.

وهذه واحدة من مفارقات التاريخ الكبرى: قد يستطيع العنف أن ينهي حياة الإنسان، لكنه لا يضمن الانتصار على فكرته. وقد يستطيع الغدر أن يكسب لحظة، لكنه يخسر احترام التاريخ. وقد يبدو الوفاء ضعيفًا أمام السلاح، لكنه أحيانًا يكون أكثر الأشياء قدرة على البقاء.

لهذا لا ينبغي أن تُقرأ حادثة الرجيع باعتبارها دعوة إلى الموت، وإنما باعتبارها دعوة إلى حياة لها معنى؛ حياة يعرف فيها الإنسان ما الذي يؤمن به، ولماذا يؤمن به، وكيف يحافظ على إنسانيته حتى في أكثر لحظات الصراع قسوة.
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، لم يعد السؤال الأهم: كيف مات رجال الرجيع؟ ربما يكون السؤال الأكثر ارتباطًا بعالمنا اليوم: كيف عاشوا قبل ذلك حتى أصبحت مبادئهم أغلى عندهم من سلامتهم الشخصية؟

وفي زمن تكثر فيه المصالح السريعة، وتتغير فيه المواقف بتغير الظروف، وتصبح فيه الكلمات أحيانًا أرخص من أن تحمل معنى، تظل قصة الرجيع تذكيرًا بأن هناك أشياء لا يقاس ثمنها بالربح والخسارة: الثقة، والوفاء، والمحبة، وكرامة الإنسان، وحقه في أن يحمل فكرته ويعرضها دون أن يكون ثمن الاختلاف حياته.

لقد انتهت رحلة أولئك الرجال عند ماء صغير اسمه الرجيع، لكن السؤال الذي تركوه وراءهم لا يزال أكبر من المكان والزمان: ما الذي يبقى من الإنسان حين يذهب كل شيء؟

ربما تبقى الكلمة التي قالها في ساعة الاختبار، والمبدأ الذي رفض أن يخونه، والمحبة التي لم يستطع الخوف أن ينتزعها من قلبه.

وعندها فقط نفهم كيف يمكن أن ينتصر الإنسان، حتى وهو يمضي إلى الموت.

زر الذهاب إلى الأعلى