
في السادس من يوليو من كل عام لا نُحيي مجرد ذكرى علمية عابرة إنما نقف أمام مرآة كاشفة لعلاقة الإنسان بالكائنات الأخرى وبالبيئة التي يتقاسمها معها. إن اليوم العالمي للأمراض الحيوانية المنشأ ليس مناسبة للتذكير بخطر صحي فحسب، فهو لحظة وعي حضاري تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة هو هل يمكن للإنسان أن يكون معافى في عالم مريض؟ لقد أثبتت التجارب التاريخية والحقائق العلمية أن ما يقارب 60% من الأمراض التي تصيب الإنسان ونحو 75% من الأمراض المعدية الناشئة تعود جذورها إلى الحيوان. وهذه النسبة ليست مجرد رقم فهي تعبير عن شبكة معقدة من التفاعلات البيولوجية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية. فالأمراض الحيوانية المنشأ ليست حادثًا طارئًا إنها نتيجة حتمية لاختلال التوازن بين الإنسان والطبيعة، وتعبير عن نمط حياة يتجاوز حدود الاستدامة. وفي العالم العربي والأفريقي تتجلى هذه الإشكالية بأبعاد أكثر تعقيدًا حيث تتقاطع عوامل الفقر وضعف البنية التحتية الصحية وتراجع الخدمات البيطرية، مع أنماط تقليدية في تربية الحيوانات، وأسواق مفتوحة غير منظمة، وغياب الرقابة الصارمة على سلامة الغذاء. كما تساهم التغيرات المناخية، والتوسع العمراني غير المنضبط، والنزاعات والهجرات، في خلق بيئات مثالية لانتقال الأمراض وتفشيها. إن الحديث عن الأمراض الحيوانية المنشأ هو في أساسه حديث عن الصحة الواحدة ذلك المفهوم الذي أصبح ضرورة استراتيجية. فصحة الإنسان لا يمكن فصلها عن صحة الحيوان، وهذه بدورها لا تنفصل عن سلامة البيئة. إن أي خلل في أحد هذه المكونات الثلاثة ينعكس مباشرة على الآخر في سلسلة مترابطة لا تعترف بالحدود الجغرافية ولا بالتصنيفات الإدارية. ولعل من أبرز التحديات التي تواجه منطقتنا هو الفصل التقليدي بين القطاعات الصحية، حيث يعمل الطب البشري بمعزل عن الطب البيطري، وتُدار شؤون البيئة بمعزل عنهما. هذا التفكك المؤسسي يضعف القدرة على الرصد المبكر ويؤخر الاستجابة، ويُهدر الموارد. ومن هنا فإن التحول نحو نموذج الصحة الواحدة يتطلب إعادة هيكلة عميقة في السياسات، وتكاملًا حقيقيًا بين القطاعات، وتوحيدًا للرؤية والاستراتيجية. الوقاية في هذا السياق هي خط الدفاع الأول والأكثر كفاءة. وإن الاستثمار في صحة الحيوان من خلال برامج التطعيم والرعاية البيطرية ومراقبة الأمراض، هو استثمار مباشر في صحة الإنسان. كما أن تحسين نظم سلامة الغذاء، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتبني ممارسات زراعية مستدامة، تمثل أدوات فعالة للحد من انتقال الأمراض. غير أن الوقاية التقليدية لم تعد كافية في عالم يتسارع فيه انتشار الأمراض بفعل العولمة والتنقل السريع. وهنا يبرز دور التكنولوجيا كحليف استراتيجي. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم في التنبؤ بتفشي الأمراض من خلال تحليل البيانات البيئية والوبائية، وأنظمة المراقبة الرقمية تتيح تتبع الأمراض في الزمن الحقيقي، والتقنيات الحيوية تفتح آفاقًا جديدة في تطوير اللقاحات والعلاجات. كما أن الرقمنة الصحية تسهم في ربط قواعد البيانات بين القطاعات المختلفة، مما يعزز من كفاءة الاستجابة ويقلل من زمن التدخل. وفي السياق الأفريقي والعربي يمكن للتقنيات منخفضة التكلفة، مثل تطبيقات الهواتف المحمولة، أن تلعب دورًا محوريًا في تمكين المجتمعات المحلية، وتسهيل الإبلاغ عن الحالات، ونشر الوعي الصحي. كما أن الاستثمار في التعليم والتدريب، خاصة في مجالات الطب البيطري والصحة العامة، يمثل حجر الأساس لبناء أنظمة صحية قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية. إن مواجهة الأمراض الحيوانية المنشأ ليست مسؤولية الحكومات وحدها إنما هي مسؤولية مجتمعية شاملة. فالمزارع والطبيب والبيطري وصانع القرار والمواطن العادي جميعهم شركاء في هذه المعركة. وكل سلوك يومي، من غسل اليدين إلى اختيار مصادر الغذاء، يمكن أن يكون له أثر في كسر سلسلة العدوى أو في تعزيزها. إن هذا اليوم العالمي ليس مجرد مناسبة للتوعية، هو دعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالحياة بكل أشكالها. وهو تذكير بأن الصحة ليست حالة فردية إنما هي منظومة متكاملة، وأن العافية لا تُبنى في المستشفيات فقط فهي تُصنع في الحقول وفي الأسواق وفي السياسات وفي الوعي. إن المستقبل الصحي في عالمنا العربي والأفريقي مرهون بقدرتنا على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن التجزئة إلى التكامل، ومن الاستهلاك إلى الاستدامة. وإذا أردنا أن نحمي الإنسان، فعلينا أولًا أن نحمي الحيوان، وأن نصون البيئة، وأن نعيد بناء علاقتنا مع الطبيعة على أساس من التوازن والاحترام والمعرفة. ذلك هو جوهر الصحة الواحدة، وذلك هو الطريق نحو عالم أكثر أمانًا وعدالة وصحة.







