مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: ملائكة الرحمة في يومهم

مقالات للرأي

 

في اليوم العالمي للتمريض لا نكتب عن مهنة بقدر ما نستحضر ضميراً إنسانياً حياً يمشي على الأرض، ضميراً وُلد مع أول ألم عرفه الإنسان، حين كانت الرعاية فعلاً فطرياً سابقاً للعلم، واستجابة نقية لنداء الضعف. فالتمريض في جوهره لم يبدأ كمهنة منظمة، بل كقيمة أخلاقية عميقة، تجسدت في العطاء والرعاية والاحتواء، ثم أخذت مع الزمن طريقها نحو التنظيم والعلم والتأصيل. وفي الحضارة الإسلامية برزت رفيدة الأسلمية بوصفها نموذجاً مبكراً ومؤسساً، إذ لم تكن مجرد ممرضة تقدم العون، كانت قائدة صحية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أنشأت خياماً ميدانية لعلاج الجرحى، وأرست مفاهيم التمريض المجتمعي والتدريب العملي، لتكون بذلك حجر الأساس لعمل صحي منظم يقوم على المعرفة والممارسة معاً. وفي أوروبا جاءت فلورنس نايتنجيل سيدة المصباح لتنتشل التمريض من العشوائية إلى رحاب العلم، فوضعت أسس التدريب الحديث، وربطت بين النظافة والصحة، وأدخلت الإحصاء كأداة لتحسين جودة الرعاية، فكان تحولاً مفصلياً نقل التمريض من مجرد رعاية إلى نظام متكامل قائم على المعرفة والانضباط. وعلى امتداد أفريقيا والعالم العربي، ظل التمريض متجذراً في المجتمعات، يُمارس في البيوت والبيمارستانات، حاملاً روح التكافل والتراحم، قبل أن يتطور تدريجياً داخل المؤسسات الصحية الحديثة، ليصبح اليوم أحد أهم أعمدة النظم الصحية المعاصرة. فالتمريض ليس مهنة مساندة كما قد يُتصور البعض، هو العمود الفقري الحقيقي للنظام الصحي، حيث يمثل أكثر من ثمانين في المئة من التفاعل المباشر مع المرضى، وهو حلقة الوصل الحيوية بين المريض والطبيب، وبين العلم والتطبيق، وبين المؤسسة الصحية والإنسان. في غرف العناية المركزة، وفي أقسام الطوارئ وفي العيادات، وفي البيوت وفي القرى النائية، يبقى التمريض هو الحضور الدائم الذي لا ينقطع، وهو الواجهة الإنسانية التي تمنح الرعاية معناها الحقيقي. وتتجلى عظمة هذه المهنة بصورة أكثر وضوحاً في أوقات الأزمات، حين تنهار الأنظمة الصحية ويعم الخوف، فيتقدم التمريض إلى الصفوف الأولى دون تردد. ففي الأوبئة كانوا خط المواجهة الأول، وفي الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات كانوا أول من يضمد الجراح، وفي الحروب كانوا آخر من يغادر ساحات الألم. إنهم لا يحملون السلاح، لكنهم يواجهون الموت يومياً، ولا يصنعون الضجيج، لكنهم يصنعون الحياة في صمت عظيم. هذا الدور الجوهري يجعل من التمريض ليس مجرد وظيفة إنها رسالة إنسانية تُمارس تحت ضغط الألم، وبأقصى درجات الالتزام الأخلاقي والمهني. ورغم هذا الثقل الهائل في بنية النظام الصحي، لا يزال التمريض في كثير من الدول يواجه تحديات كبيرة، تتمثل في ضعف التقدير المؤسسي والمجتمعي، وقصور في جودة التعليم الأكاديمي والتدريب السريري، إضافة إلى هجرة الكفاءات نتيجة ضعف الحوافز، وحصر الأدوار في مهام تقليدية لا تعكس الإمكانات الحقيقية لهذه الفئة الحيوية. وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة، إذ تسعى الدول إلى بناء نظم صحية قوية، بينما تهمل الاستثمار في عمودها الفقري الأساسي. ومن هنا فإن أي مشروع حقيقي للنهوض الصحي لا يمكن أن يتحقق دون إعادة صياغة دور التمريض باعتباره قوة سيادية داخل المنظومة الصحية. ويتطلب ذلك أولاً تطوير التعليم التمريضي ليصبح مساراً أكاديمياً متقدماً يمتد إلى درجات عليا، مع ربط حقيقي وفعال بالتدريب السريري، بحيث لا يبقى التعليم نظرياً منفصلاً عن الواقع. كما يستوجب الأمر التوسع في التخصصات التمريضية الدقيقة، وتمكين الكوادر المؤهلة من أداء أدوار أكثر تقدماً، بما في ذلك بعض المهام التي كانت تقليدياً محصورة على الأطباء، وفق نماذج التمريض المتقدم المعتمدة عالمياً. ولا يقل أهمية عن ذلك تحسين بيئة العمل من حيث الأجور والحماية المهنية وظروف العمل، بما يضمن الاستقرار ويحد من نزيف الكفاءات، إضافة إلى إشراك القيادات التمريضية في صنع القرار الصحي، بما يعكس دورهم كشركاء حقيقيين في بناء السياسات لا مجرد منفذين لها. في هذا اليوم لا يكفي أن نكرّم التمريض بكلمات عابرة إنما يجب أن نعترف بحقيقة راسخة، وهي أن الأنظمة الصحية لا يمكن أن تقوم دونهم، وأن جودة الرعاية تبدأ منهم وتنتهي إليهم. إنهم من يمسكون يد المريض حين يخاف، ويمنحونه الطمأنينة حين ينهار، ويستمرون في العطاء حين يتوقف الآخرون. وإذا كانت الصحة تمثل سيادة الدول، فإن التمريض هو جيشها الحقيقي الذي يحرس هذه السيادة بصمت وإخلاص، ويصنع الفرق كل يوم دون أن ينتظر الاعتراف.

زر الذهاب إلى الأعلى