مقالات الرأى

د.علي المبروك أبو قرين يكتب: غذاؤنا دواؤنا أو دائنا

مقالات للرأي

لم يكن الطعام يومًا مجرد وقود للجسد بل كان دائمًا لغة حضارية صامتة، تعكس علاقة الإنسان بالحياة والطبيعة وبنفسه. ومن هنا جاءت الحكمة القديمة التي لم تفقد صدقيتها رغم كل تقدم العلم غذاؤنا دواؤنا أو دائنا. فالغذاء ليس فقط ما يملأ المعدة بل ما يصوغ الصحة، ويؤثر في التفكير، ويشكّل المزاج، ويحدد إلى حد بعيد جودة العمر . واليوم تتعدد التسميات غذاء صحي وحي وعضوي وطبيعي وحيوي وغذاء خارق وفي المقابل غذاء مصنّع وفائق التصنيع ومهدرج ومعدل وراثيًا ومعلب ومجمد ومخزون طويلًا أو مثقل بالملوثات. لكن القضية ليست في الاسم بقدر ما هي في الحقيقة البيولوجية وكلما اقترب الغذاء من طبيعته الأولى قلت مخاطره وزادت فائدته، وكلما ابتعد عنها عبر المعالجة الصناعية المفرطة ازدادت احتمالات اختلال التوازن الصحي. وعلم التغذية الحديث يربط بوضوح بين الإفراط في الأطعمة فائقة التصنيع وبين ارتفاع أمراض العصر ومنها السمنة والسكري من النمط الثاني وأمراض القلب واضطرابات المناعة، وبعض السرطانات. هذه الأطعمة غالبًا عالية السكريات المكررة، والدهون المتحولة والملح وفقيرة بالألياف والعناصر الدقيقة الضرورية لوظائف الخلايا. والنتيجة ليست زيادة الوزن فقط بل اضطراب شامل في التمثيل الغذائي والهرمونات والاستجابة الالتهابية في الجسم. كما أن طريقة الطهي ليست تفصيلًا ثانويًا فالحرارة العالية جدًا أو القلي المتكرر قد يولد مركبات ضارة، بينما يحافظ الطهي المعتدل أو بالبخار أو الشوي المتوازن على القيمة الغذائية بدرجة أفضل. حتى الأواني لها دور فبعض المواد الرديئة أو المتآكلة قد تطلق عناصر غير مرغوبة إلى الطعام، بينما الأواني الآمنة والمستقرة كيميائيًا تقلل هذا الخطر. والعلم يؤكد كذلك أن توقيت الطعام وكميته لا يقلان أهمية عن نوعيته. وانتظام الوجبات يساعد على استقرار سكر الدم والهرمونات والطاقة الذهنية، بينما الإفراط أو الاضطراب في المواعيد يرتبط بزيادة الوزن واضطراب النوم والتركيز. والاعتدال هنا ليس مفهومًا أخلاقيًا فقط بل قاعدة فسيولوجية تحفظ توازن الجسم. ولا يوجد غذاء واحد مناسب للجميع فالعمر وطبيعة العمل والمناخ والحالة الصحية وحتى الجهد الذهني أو البدني عوامل تحدد الاحتياجات الغذائية. غذاء العامل الذهني يحتاج استقرارًا في الطاقة وصفاءً عصبيًا، بينما يحتاج العامل العضلي دعمًا طاقيًا مختلفًا. كذلك تختلف احتياجات الطفل عن المسن، والمريض عن السليم، وسكان المناطق الحارة عن الباردة. والأثر لا يتوقف عند الصحة الجسدية فهناك ارتباط علمي متزايد بين التغذية والصحة النفسية. توازن العناصر الغذائية خصوصًا بعض الفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية يرتبط بالمزاج والاستقرار النفسي والقدرة على التركيز والإبداع. وما يسمى اليوم بمحور الأمعاء الدماغ يؤكد أن جودة الغذاء تؤثر في كيمياء الدماغ والقلق والاكتئاب وصفاء التفكير. ومن زاوية فلسفية، فإن طريقة تعامل الإنسان مع غذائه تعكس مستوى وعيه بذاته وبالحياة. فالطعام السريع المفرط قد يكون أحيانًا انعكاسًا لإيقاع حياة مضطرب، بينما الطهي المتأني وتناول الطعام بوعي يعكسان احترام الجسد والزمن معًا. والحضارات التي احترمت طعامها غالبًا احترمت صحتها واستقرارها الاجتماعي. ومع ذلك نعيش مفارقة لافتة وهي وفرة غذائية غير مسبوقة يقابلها ارتفاع غير مسبوق في الأمراض المرتبطة بالغذاء. والمشكلة لم تعد نقص الطعام بل فقدان الحكمة في اختياره واستهلاكه. لقد تقدم العلم كثيرًا لكن الفلسفة الصحية للحياة لم تتقدم بالقدر نفسه. إن الوعي الغذائي ليس ترفًا ولا موضة صحية عابرة بل ضرورة إنسانية واقتصادية وحضارية. فالصحة الجيدة تقلل عبء المرض وترفع جودة الحياة وتعزز الإنتاج والاستقرار النفسي والاجتماعي. والغذاء الواعي لا يعني الحرمان من اللذة بل استعادة معناها الحقيقي لذة تُغذي الحياة بدل أن تستنزفها. وفي النهاية يبقى السؤال أعمق من مجرد ماذا نأكل؟ السؤال هو كيف نختار؟ وكيف نفهم علاقتنا بالطعام؟ وهل نأكل لنعيش بوعي أم نستهلك بلا انتباه فالطعام قد يكون دواءً صامتًا يحفظ الصحة، وقد يكون داءً بطيئًا يتسلل دون ضجيج. وبين الاثنين يقف الإنسان، بعلمه ووعيه وفلسفته في الحياة. ويبقى بُعد غالبًا ما يُهمل في الحديث عن الغذاء رغم أنه شديد الوضوح وهو التكلفة. ليس فقط ثمن الطعام عند شرائه بل ثمن ما يترتب عليه لاحقًا من صحة أو مرض. فالغذاء الرديء يبدو أحيانًا أرخص أسهل وأسرع لكنه في الحقيقة قد يكون الأغلى على المدى الطويل لأن ثمنه يُدفع لاحقًا في هيئة أمراض مزمنة وأدوية دائمة وفحوص متكررة، وتعطل في الإنتاج، واستنزاف نفسي وأسري واقتصادي. إن ما نوفره عند المائدة قد نخسره أضعافًا في المستشفى. وتُظهر الخبرات الطبية والاقتصادية أن جزءًا كبيرا من أمراض العصر يرتبط مباشرة بنمط التغذية كالسمنة والسكري وأمراض القلب والشرايين، وبعض الأورام واضطرابات المناعة والهضم والمزاج. وهذه الأمراض لا تكلف الفرد فقط بل ترهق الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية، وتؤثر في جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي. وهنا يصبح الغذاء مسألة صحية واقتصادية وحضارية في آنٍ واحد. وفي المقابل فإن الاستثمار في غذاء متوازن وطازج ومتنوع ومعتدل المعالجة، وغني بالعناصر الطبيعية ليس رفاهية بل شكل من أشكال الوقاية الذكية. فالغذاء الجيد لا يمنع كل الأمراض بطبيعة الحال، لكنه يرفع كفاءة المناعة، ويحسن الاستقلاب، ويُبطئ الشيخوخة الوظيفية، ويعزز صفاء الذهن والاستقرار النفسي. إنه ليس دواءً سحريًا لكنه أحد أهم خطوط الدفاع الأولى. ومن منظور فلسفي أعمق فإن الاختيار الغذائي الواعي هو تعبير عن احترام الإنسان لجسده ولمستقبله. إنه قرار أخلاقي بقدر ما هو صحي لأن الجسد ليس ملك لحظة عابرة بل أمانة عمر كامل. والوعي الغذائي لا يعني التشدد أو الحرمان بل التوازن وأن نأكل ما ينفع دون خوف وأن نتجنب ما يضر دون تطرف، وأن نعيد للطعام معناه الإنساني لا الاستهلاكي فقط. لذلك قد يكون السؤال الأصدق ليس ما ثمن الغذاء؟ بل ما ثمن المرض الناتج عنه؟ وما ثمن الصحة التي يمكن الحفاظ عليها به؟ عندها يتضح أن الغذاء الدواء أقل تكلفة بكثير من علاج الداء، وأن الوقاية ليست شعارًا طبيًا فقط بل فلسفة حياة واقتصاد عقلاني ورؤية حضارية. وفي الخلاصة أن ما نضعه في أطباقنا اليوم قد يحدد ما سنضعه غدًا في ملفاتنا الطبية. وما نختاره بوعي قد يجنبنا كثيرًا مما لا يُشترى بالمال لاحقًا العافية والطمأنينة وجودة العمر. فالغذاء ليس تفصيلاً يوميًا عابرًا ، إنه قرار صحي وخيار أخلاقي واستثمار في المستقبل. إما أن نجعله دواءً يحفظ الحياة أو نتركه يتحول بصمت إلى داءٍ يستنزفها.

زر الذهاب إلى الأعلى