الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الاجتزاء… السلاح الأخطر في الحروب الناعمة!
مقالات يوتوبيا

في الحروب الناعمة لا يحتاج العدو إلى إسقاط دولة بقدر ما يحتاج إلى إرباكها، ولا يسعى إلى هدم جدرها بقدر ما يعمل على تفكيك مفاصلها .
هنا يصبح الاجتزاء سلاحًا استراتيجيًا، لا يقل فتكًا عن أي أداة صدام مباشر، لأنه يستهدف الوعي الجمعي ويضرب الثقة في مقتل بشكل تدريجي ومتصاعد
إن اجتزاء التصريحات لم يعد انحرافًا مهنيًا أو سوء فهم، بل ممارسة مقصودة تُدار بعقلية الحرب، وتُنفَّذ عبر السوشيال ميديا بدم بارد … يدلي مسئول أو شخصية عامة بتصريح تتلقفه مواقع التواصل الاجتماعي وتظهر على الفور بوسترات تلخص ماقيل بشكل يخل أو يشوه المعنى ونحن لا نناقش محتوى التصريح ولكن نلقي الضوء على طريقة التعامل الإعلامي الخاطئ معه والبداية
“اغتيال السياق ” … حين تتحول الحقيقة إلى سلاح ضد صاحبها
الاجتزاء هو جريمة مكتملة الأركان ضد المعنى. جملة تُنتزع من سياقها، عبارة تُفصل عن اركانها، أو رأي يُقتطع من حوار أطول، ثم يُقدَّم للجمهور بوصفه موقفًا نهائيًا وصادمًا بلا تفاصيل مثبتة سمعيا وبصريا في هذه اللحظة لا يعود مهمًا ما قيل فعلًا، بل كيف يُراد له أن يُفهم؟
الأخطر أن الاجتزاء لا يعتمد على الكذب، بل على تشويه الحقيقة، وهو ما يمنحه مصداقية زائفة وقدرة أكبر على الانتشار حيث يواجه الجمهور “دليلًا” بصريًا، لا تحليلًا، ويتلقى صدمة دون الدخول في نقاش أنها صناعة الفتنة في قالب جذاب عن طريق بوسترات تثير الغضب…
ولم تعد المسألة اجتهادات فردية أو أخطاء مستخدمين، بل نحن أمام مصانع تضليل تنتج بوسترات مبرمجة بعناية: تصميم موحد، لغة حادة، صور مجتزأة، وعناوين انفعالية لا تحتمل التأويل والهدف ليس إيصال معلومة، بل تفجير رد فعل.
هذه البوسترات تُضخّ بكثافة، وتُدار وفق منطق الخوارزميات، حيث يُكافأ الغضب، ويُهمَّش العقل، ويُدفع الجمهور دفعًا إلى الاصطفاف الحاد مع أو ضد دون منطقة وسطى تتيح فرصة للتدقيق !
ومن يسحب فتيل القنبلة؟ أنها
الكتائب الإلكترونية التي تقف
خلف هذا المشهد وهي مجموعات منظمة من الحسابات الوهمية والآلية، وأحيانًا الحقيقية، تعمل وفق أجندات واضحة، لا علاقة لها بحرية التعبير. وظيفتها الأساسية
🔸تضخيم المحتوى المجتزأ
🔸تشويه الرموز الفكرية والإعلامية والسياسية
🔸خلق وهم بوحي بالغضب العام
🔸كسر الثقة بين فئات المجتمع
هذه الكتائب لا تناقش، ولا تحاور، ولا تُقنع هي فقط تهاجم، تُكرِّر، وتُرهق الفضاء الجمعي حتى يختنق الصوت الواعي العاقل وسط ضجيج تشويه المحتوى والسؤال لماذا عدم الاستقرار هو الغاية؟
لأن الاستقرار عدو الفوضى، والوعي عدو التلاعب والكتائب الإلكترونية تسعى إلى فرض توجه محدد يستهدف البعد عن اليقين.
إن هدفها التشكيك في الجميع الإعلام، النخب، المؤسسات، وحتى في قدرة المتلقي على الفهم بعبارة أخرى أن هدف الكتائب الاليكترونية تدمير وعي المجتمع وحين يفقد المجتمع ثقته في مصادر المعرفة، يصبح سهل الانقياد، سريع الغضب، هشّ التماسك.
وهنا تتحقق الغاية الكبرى للحروب الناعمة مجتمع منقسم، مشغول بذاته، عاجز عن رؤية الخطر الحقيقي وهنا توجه الاتهامات إلى الإعلام إما متواطئ أو عاجز !
دعونا نتحدث بصراحة وشفافية لا يمكن إعفاء بعض وسائل الإعلام من المسؤولية إن اللهاث خلف “الترند”، وإعادة نشر المحتوى المجتزأ دون تحقق، حوّل بعض المنصات من أدوات توعية إلى ممرات آمنة للتضليل. والصمت هنا ليس حيادًا، بل تواطؤ غير مباشر مع تفكيك الوعي العام والتعتيم وتجاهل ردات الفعل يعطي الفرصة لتنامي الأفكار المغرضة والاخبار الكاذبة والاجتزاءات المدمرة للمحتوى ويظل الخطر الأكبر في تطبيع الجريمة بمعنى إن الكارثة الحقيقية ليست في وجود الاجتزاء، بل في تطبيعه و يصبح سلوكًا عاديًا، وممارسة يومية، ويُختزل النقاش العام في صور وبوسترات، حينها نكون أمام انهيار بطيء للعقل النقدي، لا يقل خطورة عن أي صدام مباشر.
إن مواجهة هذا السلاح لا تكون بالشعارات، ولكن بإعادة الاعتبار للسياق بوصفه جوهر الحقيقة
فرض معايير مهنية صارمة على المنصات الإعلامية وعدم التعتيم على الأخبار من قبل وسائل الإعلام الرسمي بشكل خاص وتحميل السوشيال ميديا مسؤولية أخلاقية وقانونية وتحصين الجمهور بالوعي لا بالتخويف
في زمن الحروب الناعمة، لا يُهزم المجتمع حين يُقصف، بل حين يتوقف عن التفكير والاجتزاء، في جوهره، ليس مجرد تقنية تضليل، بل إعلان حرب على المعنى، وعلى قدرة المجتمع على الفهم، والتمييز، والبقاء متماسكًا.








