ومضاتٌ على الطريقِ للدكتور عزيز أبو الليل: الومضةُ العاشرة (الجزء الثالث: بنو إسرائيل وموسى عليه السلام)

استعرضنا في الومضة السابقة كيف خرج موسى عليه السلام من مصر؟ وكيف وصل مدين؟ وكيف تزوج من ابنة شعيب عليه السلام ؟ وكيف كانت رحلة الرجوع إلى مصر؟ وكيف كان التجلي الأعظم عليه عند شجرة التجلي؟ وكيف أمره ربه بدعوة فِرعون؟ … لكن ماذا سيحدث معه عندما يذهب إلى فِرعون؟ وهو ما سوف نتحدث عنه في هذه الحلقة.
هنا نصل إلى المواجهات التي حدثت بين موسى عليه السلام وفِرعون… مواجهات بين الحق والباطل
المواجهة الأولى: يأتي موسى عليه السلام وأخاه هارون لتنفيذ أمر الله بدعوة فِرعون بقولٍ لينٍ ليُرسلَ معهما بني إسرائيل، فما كان من فِرعون إلا أن ذكره بفضله عليه بأن رباه صغيرًا (فقيل أن موسى عليه السلام مكث في بيت فِرعون حتى بلغ سن الثامنة عشر وقيل الثلاثين)، وذكره بذنبه بقتل الرجل القبطي، ولكن موسى عليه السلام يرد عليه أنه فعل ذلك وهو جاهلًا بعاقبة الوكزة للقبطي وأنها لا تؤدي بطبيعتها للموت، ويبين له أن المَن عليه بتربيته له لاتقارن بما فعله ببني إسرائيل من قتل الأطفال الذكور واستحياء الاناث واستعباد الرجال ويدعوه لعبادة الله، ويتوجه فًرعون إلى الملأ حوله ويقولهم ألا تستمعون، فكان ينتظر منهم عندما يسمعوا كلام موسى عليه السلام هذا ونفيه الألوهية عن فِرعون أن يهاجموه إلا أنهم سكتوا لعلمهم بحقيقة ما يقول موسى عليه السلام، فيسارع موسى عليه السلام قبلهم بأن ربكم هو رب أباءكم وأجدادكم قبل خلق فِرعون، هنا أراد فِرعون أن يخرج مما هو فيه فيتهم موسى عليه السلام بالجنون، فلم يعبء موسى عليه السلام بذلك واستمر في القاء الحُجة عليهم بأن الله هو رب المشرق والغرب وما بينهما، ويستمر الحوار والجدال حتى يضيق فِرعون ذرعًا بموسى عليه السلام فيتهمه بالسحرويطلب فِرعون من موسى عليه السلام أن يكون بينهم موعدًا أخر، فيقول له موسى عليه السلام موعدكم يوم الزينة (يوم وفاء النيل) وأن يجتمع الناس كلهم، فماذا سوف يحدث في تلك المواجهة؟
المواجهة الثانية، حيث يجتمع القوم، ويأتي فِرعون بالسحرة من كل مكان ويوعدهم بغنائم كثيرة والقرب منه، وهنا يطلب منهم موسى عليه السلام أن يلقوا ما في أيديهم فيُلقوا حبالهم وعصيهم فيخيل للناس من سحرهم أنها تسعى، ثم ألقي موسى عليه السلام عصاه فإذا هي تأكل ما ألقوا بسرعة وقوة .. هنا يعلم السحرة أن ما جاء به موسى ليس بسحر فخروا سجدًا لله دون اختيار أو شعور، وقالوا آمنا برب هارون وموسى ..وقيل أنهم رأوْا مكانهم في الجنة فزاد إيمانهم، لكن فِرعون هددهم بتقطيع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، وأن يصلبهم في جذوع النخل (نعم في جذوع النخل وليس على جذوع النخل دليل على اختلاط أجسادهم بالنخل من شدة العذاب)، لكن الإيمان وقر في قلوبهم، فقالوا لاضير مما تعمل فقد آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا، لكن فِرعون استكبرعن الإيمان بغير حق، وطلب من هامان أن يصنع له صرحًا ليصل إلى إله موسى، وقيل أنه قتل طائرًا كان في السماء عندما صعد على الصرح، وقال لهم لقد قتلت إله موسى.
وهنا فائدة عظيمة، أن الإيمان لا يحتاج إلى وقت طويل حتى يقع في القلب، فقد يصنع الإيمان القوي في وقت قصير، وقد يطول الأمر الإنسان دون أن يتعمق الإيمان في القلب، فالله هو مقلب القلوب يصبح العبد مؤمن ويمسى غير ذلك والعكس، فلا تستبعد إيمان شخص شقي ظالم لنفسه، ولاتغتر بإيمانك وتركن إلى ذلك فتضل وتشقى.
وتستمر الأحداث ويبتلي الله فِرعون وقومه بالعذاب بأنواعه (الطوفان والجراد والقُمًّل والضفادع والدم) ويطلبوا من موسى رفع ذلك عنهم، فيرفع الله ذلك عنهم، لكنهم لا يؤمنون بالله، فيدعو موسى عليه السلام عليهم “ربنا اطمس على أموالهم (فمسحت فأصبح الذهب حجارة) واشدد على قلوبهم (طبع عليها الكفر) فلايؤمنون حتى يروا العذاب الأليم (الإيمان عند الموت لايقبل)”.
وهنا يأخذ موسى عليه السلام بني اسرائيل ويهرب بهم، فيدركهم فِرعون وقومه عند البحر، فيقولون إنا لمدركون، هنا يقول موسى عليه السلام كلا إن معايا ربي سيهدين إيمانًا ويقينًا بالله، وهنا تحدث المفاجأة يأمره الله بأن يضرب البحر فكان البحر كل فِرقٍ كالطود العظيم، ويمر موسى ومن معه بين الفرقين، ثم يحاول فِرعون وقومه أن يمروا مثلهم، فيعيد الله المياه إلى طبيعتها السائلة فيغرقوا، ويظل كِبر فِرعون بأنه يقول آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل، دون أن يذكر الله، ولو دعا الله لأنجده من الغرق، لذلك نجاه الله ببدنه حتى يومنا هذا دون روحه.
أخيرًا… رأينا كيف كانت المواجهة الأولى والثانية بين موسى عليه السلام وفِرعون؟ وكيف خرج موسى عليه السلام وبنو اسرائيل من مصر؟ وكيف تبعهم فِرعون وقومه؟ وكيف نجا الله موسى عليه السلام ومن معه ووكيف أعرق فِرعون وقومه؟ لكن ماذا سيحدث بعد ذلك من أحداث؟ وماذا سيفعل بنو اسرائيل مع موسى عليه االسلام؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى.








