د. فايد محمد سعيد: قراءة إيمانية وسلوكية في معاني الحج … القيم في الحج – دروس في السلوك والأخلاق (5)
متابعات يوتوبيا

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد.
كتب يقول:
يُعد الحج أكثر من مجرد عبادة شعائرية؛ إنه رحلة أخلاقية وروحية، تتجسد فيها أسمى القيم الإنسانية والإيمانية، وتترسخ عبرها مفاهيم العدل، والرحمة، والمساواة، وضبط النفس، والإحسان. يستعرض هذا المقال القيم التربوية التي يغرسها الحج في نفس المؤمن، وكيف يسهم في تشكيل الضمير الأخلاقي الفردي والجماعي.
ويأتي الحج في زمن معلوم، ومكان معلوم، لكنه يترك أثرًا غير محدود في الزمان والمكان؛ لأنه لا ينحصر في الطواف والسعي والوقوف، بل يمتد ليعيد تشكيل أخلاق الإنسان، ويضعه في بوتقة تهذيب سلوكي وروحي.
في الحج تتجرد النفوس من مظاهر الدنيا، ويلبس الجميع لباسًا واحدًا، ويتوجهون جميعًا إلى رب واحد، فيتساوون، ويتعارفون، ويتعلمون دروسًا عميقة في أخلاق الإنسان المؤمن.
⸻
أولًا: المساواة والعدل
• لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، الكل يلبس الإحرام، ويتحرك في مواقيت محددة، ويقف في عرفة بلا امتياز.
• يزرع الحج في نفس الحاج إحساسًا بوحدة الأمة، وعدالة الشريعة، وسواسية الخلق أمام الخالق.
“الناس سواسية كأسنان المشط”
⸻
ثانيًا: ضبط النفس وكف الأذى
قال تعالى:
﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: 197]
• يُمنع الحاج من الرفث (الكلام الفاحش)، والفسوق (المعاصي)، والجدال (المراء).
• إنها مدرسة في التحكم في الانفعالات، والصبر على الزحام، واحتمال الناس، وتقديم العذر، والإعراض عن السوء.
وهذه الأخلاق لا يُطلب منه أن يعيشها في الحج فحسب، بل أن يأخذها معه بعد العودة.
⸻
ثالثًا: العفو والصفح والتسامح
• من خصال الحجاج الصادقين: أن يغفروا لمن ظلمهم، ويعفوا عمن أساء إليهم.
• وقد كان هذا من هدي النبي ﷺ، الذي عفا في حجته عن أهل مكة قائلاً: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
فهل نعود من الحج وقد أسقطنا الأحقاد، وطهّرنا القلوب من الضغائن؟
⸻
رابعًا: الإحسان والبذل
• من معاني الهدي أن يُذبح الحاج ويوزع لحمه على الفقراء.
• ومن معاني التلبية أن يُعلن الحاج استعداده لتقديم كل ما يملكه لله.
• ومن معاني السعي والطواف أن يتحرك الحاج بكل طاقته طاعة لله وخدمة لعباده.
الإحسان في الحج يتجلى في خدمة الناس، ورفق الضعيف، وإكرام الغريب، وتحمل الأذى عن الآخرين.
⸻
خامسًا: التواضع والخشوع
• التواضع يتجلى حين ترى العلماء والوجهاء يسيرون حفاة عراة الرؤوس، لا يُعرف غنيّهم من فقيرهم.
• والخشوع يُرى حين تدمع العيون في عرفات، وترتفع الأكف بالرجاء، وتنخفض الهامات لعظمة الله.
الحج محطةٌ يذوب فيها الكِبر، ويتلاشى فيها الغرور، وتنكسر النفس ليُبنى القلب.
⸻
سادسًا: القيم الجماعية – وحدة الأمة
• الحج يعلّمنا أننا أمة واحدة، همّنا واحد، وقبلتنا واحدة.
• يلتقي المسلم من آسيا مع أخيه من إفريقيا، ومن أوروبا مع أخته من أمريكا.
• فإذا رجع كل حاج إلى بلده وهو يحمل رسالة الوحدة، ورسالة الأخلاق، ورسالة الإسلام، تغيّر وجه الأرض.
⸻
خاتمة
ليست القيم التي يكتسبها الحاج مجرد دروس لحظة عابرة، بل هي زادٌ لحياته كلها. ومن علامات الحج المبرور أن يعود صاحبه وقد تحولت أخلاقه إلى صورة حية من الهدي النبوي.
الحج يعلمك أن تكون:
• مُحسنًا وإن أساء إليك الناس.
• صابرًا وإن ضاق بك الطريق.
• مُتواضعًا وإن علت منزلتك.
• مُتسامحًا وإن ملكت القوة.
من لم تتهذب أخلاقه بالحج، فمتى تهذب؟
⸻
المراجع
1. الرازي، مفاتيح الغيب.
2. ابن القيم، زاد المعاد.
3. الغزالي، إحياء علوم الدين.
4. محمد الغزالي، خلق المسلم.










