د فايد سعيد: سلسلة: حجٌّ لا يعود كما بدأ (5) الحج في ميزان القبول – متى يكون مبرورًا؟
متابعات يوتوبيا

ليس السؤال الحقيقي بعد الحج: هل أديت المناسك؟ بل: هل قُبلت؟ فكم من إنسانٍ وصل إلى مكة بجسده، لكنه لم يصل إلى الله بقلبه، وكم من حاجٍّ عاد كما ذهب، لم تغيّره الرحلة، ولم تهزّ أعماقه تلك الأيام التي كان يفترض أن تولد فيها روح جديدة. ولهذا كان سؤال القبول من أعظم الأسئلة التي ينبغي أن تواجه الإنسان بعد الحج، لأنه السؤال الذي يتجاوز المظاهر، ويتعلق بحقيقة العلاقة بين العبد وربه.
إن هناك فرقًا عميقًا بين أداء العبادة وقبولها. فقد يؤدي الإنسان العمل كاملًا في صورته الظاهرة، لكنه يفتقد روحه وأثره وصدقه. وقد يكون العمل قليلًا في نظر الناس، لكنه عند الله عظيم بسبب الإخلاص والانكسار والصدق. ولذلك لم يكن الإسلام دين الحركات الظاهرة فقط، بل دين القلوب التي تحيا خلف تلك الحركات. ولهذا كان السلف يخافون ردّ العمل أكثر من خوفهم من قلة العمل، لأن القضية ليست في كثرة ما فعلت، بل في مقدار ما وصل إلى الله منه. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[1]. وهذا الحديث العظيم يفتح بابًا واسعًا للتأمل: ما هو الحج المبرور؟ ليس مجرد حجٍّ صحيح في أحكامه الظاهرة، ولا رحلةٍ مكتملة الأركان فحسب، بل هو حجٌّ صدقت فيه النية، وطهرت فيه النفس، وخرج منه الإنسان بصورةٍ مختلفة عمّا كان عليه قبل أن يلبّي نداء الله.
إن الحج المبرور لا يُعرف بكثرة الصور، ولا بطول الحكايات، ولا بعدد المشاعر التي يصفها الناس بعد العودة، وإنما يُعرف بأثره الممتد في حياة الإنسان. فالحج الحقيقي لا ينتهي عند مغادرة مكة، بل يبدأ بعدها. ولهذا فإن أول علامات القبول أن ترى تغيرًا في أخلاقك وسلوكك. أن تصبح أكثر هدوءًا ورحمة، أقل غضبًا، وأكثر صدقًا مع الله ومع الناس. أن ينعكس الحج على لسانك، وعلى تعاملك، وعلى نظرتك للحياة. فالحج ليس رحلة عابرة في الزمن، بل عملية إعادة تشكيل للروح.
وقد ربط القرآن بين الحج والتزكية الأخلاقية، فقال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. فالحج ليس مجرد انتقالٍ بين المشاعر، بل انتقالٌ من فوضى النفس إلى انضباط الروح، ومن قسوة الطباع إلى صفاء القلب.
ومن علامات الحج المبرور أيضًا استمرار القرب من الله بعد انتهاء المناسك. فليس المقصود أن يعيش الإنسان لحظات إيمانية مؤقتة ثم يعود بعدها إلى غفلته القديمة، بل أن تكون تلك الأيام بداية طريق جديد. إن المشكلة ليست في دمعة نزلت عند الكعبة، بل في القلب: هل بقي حيًّا بعد أن جفّت الدموع؟ وهل استمر الشوق إلى الله بعد أن انتهت الرحلة؟
ومن أصدق العلامات كذلك أن يكره الإنسان المعصية بعد الحج، وأن يشعر بثقل الذنب بعدما كان يستهين به. فحين يتذوق القلب معنى القرب من الله، لا يعود مرتاحًا للبعد عنه. وقد لا يصبح الإنسان معصومًا، لكنه يصبح أكثر حياءً من الله، وأكثر خوفًا من أن يخسر ذلك النور الذي شعر به في تلك الأيام المباركة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].
ثم تأتي علامة التواضع، وهي من أعظم آثار الحج. فالحج الحقيقي لا يصنع غرورًا دينيًا، ولا يمنح الإنسان شعور التفوق على الآخرين، بل يجعله أكثر إدراكًا لضعفه وفقره إلى الله. فمن وقف بعرفة بين ملايين البشر، ورأى الناس بثياب الإحرام نفسها، يدرك أن القيمة الحقيقية ليست في المال ولا المنصب ولا الاسم، وإنما في صدق القلب وصفائه. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
والحج المبرور كذلك هو الحج الذي يحفظ أثره في الحياة اليومية. أن يحمل الإنسان معه ما تعلّمه في مكة إلى بيته وعمله وعلاقاته وأخلاقه. فليس المقصود أن نعود بذكريات جميلة فقط، بل أن نعود بقلبٍ أكثر نقاءً، وبنفسٍ أكثر وعيًا، وبروحٍ أقرب إلى الله.
وليس من شأن الإنسان أن يجزم بقبول عمله، فذلك إلى الله وحده، لكن من شأنه أن يراجع نفسه ويسألها بصدق: لو كان حجّي مبرورًا، كيف ينبغي أن أكون الآن؟ هذا السؤال قد يكون أصدق من كثير من الكلمات والشعارات، لأنه يضع الإنسان أمام الحقيقة بعيدًا عن المجاملة الدينية أو الرضا الوهمي عن النفس.
والمؤمن يعيش دائمًا بين الرجاء والخوف؛ لا يعتمد على عمله مهما عظم، ولا ييأس بسبب تقصيره مهما كثر. يرجو رحمة الله وقبوله، ويخاف أن يكون قد قصّر أو غفل أو أفسد عمله بما بعده. وقد وصف الله عباده الصالحين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60].
إن الحج المبرور لا يحتاج إلى إعلان، لأن أثره يظهر وحده في أخلاق الإنسان وكلامه وتعاملاته. يظهر في رحمته بالناس، وفي صدقه، وفي تواضعه، وفي قربه من الله. فالحج المبرور ليس رحلة ناجحة بالمعنى السياحي أو الاجتماعي، بل إنسان تغيّر من الداخل، وعاد إلى الحياة بروحٍ جديدة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحمله كل حاج معه بعد العودة: ماذا بقي من الحج في قلبي؟ لأن أعظم الخسارة ليست أن ينتهي الحج… بل أن ينتهي أثره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، رقم (1773)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، رقم (1349).










