أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد: أخطاء الإنسان في ضوء القرآن: بين الغفلة، والضعف، والتمرد

متابعات يوتوبيا

 

في كتاب الله الكريم، لا يظهر الإنسان ككائن مثالي منزه عن الزلل، بل يُقدَّم كما هو: مخلوق معرض للغفلة، قابل للضعف، ومهدد بالتمرد. وهذه ليست إدانة لطبيعة الإنسان، بل تشريح دقيق لأبعاده النفسية والروحية، بلغة تنبض بالحكمة وتفيض بالرحمة.

إنّ القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن الأخطاء البشرية – على تنوعها – يمكن أن تُردّ إلى ثلاثية قرآنية دقيقة:
الغفلة التي تعترض طريق البصيرة،
والضعف الذي يخذل الإرادة،
والتمرد الذي يستعلي على الحق.

ومن خلال ثلاثة مشاهد كونية كبرى – لا تتكرر في التاريخ – نكتشف كيف تعامل القرآن مع هذه الأخطاء، لا بوصفها عارًا يُستتر به، بل حقيقة يُضاء بها العقل، ويُطهَّر بها القلب

أولًا: الغفلة… حين تضل المعرفة عن الحكمة

في أول مشهد من مشاهد الخلق، حين أخبر الله ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة، جاء ردهم المفاجئ:
﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟﴾
كأنهم – في لحظة غفلة – قاسوا القادم على ما رأوه سابقًا، أو استندوا إلى تجربة سابقة مع مخلوقات أخرى، دون أن يدركوا عمق الحكمة الإلهية وراء هذا الاستخلاف.
فجاء الجواب الإلهي حاسمًا، لطيفًا في الوقت نفسه:
﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾

لم تكن الغفلة هنا تمرّدًا ولا شكًّا في قدرة الله، بل لحظة جزئية من نقص الإدراك، تذكّرنا بأن أعظم الخلق إذا لم يُسدَّدوا بالوحي، يخطئون في تقديرهم. فكيف بنا نحن البشر، نَظُن ونحكم ونفسّر الغيب، ثم ننسى أن الله يعلم منّا ما لا نعلمه من أنفسنا!

الغفلة، كما يصورها القرآن، هي خطأ العقل حين يغيب عنه التوازن بين الظاهر والباطن، بين الجزئي والكلي، وهي – في جوهرها – دعوة إلى التواضع المعرفي، وإلى الإيمان بأنّ خلف كلّ قدر حكمة، وإن خفيت.

ثانيًا: الضعف… حين تغلب الشهوة صوت الضمير

تُفتح صفحة جديدة في تاريخ الإنسان حين يُخلق آدم، ويسكن الجنة، ويؤمر بعدم الاقتراب من شجرة بعينها. يعلم آدم، لكنه يضعف، وتزِلّ قدمه أمام غواية إبليس.
يأكل من الشجرة، لا عن تمرّد، بل عن انكسار الإرادة أمام الإغراء.
وحين ينكشف له ولزوجه خطؤهما، لا يُكابران، بل يرتفعان بدعاءٍ خاشع:
﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾

في هذا المشهد، تتجلى عظمة الإنسان لا في امتناعه عن الخطأ، بل في قدرته على الاعتراف به والتوبة منه. إن الضعف، بحد ذاته، لا يهلك الإنسان، لكن الاستسلام له، والاعتياد عليه، هو ما يصنع الهوة بينه وبين الرحمة.

آدم – عليه السلام – يُعلّمنا أنّ سقوط الإنسان لا يكون عارًا إذا تبعه رجوع صادق، وأنّ الطريق إلى الله لا يُغلق أبدًا ما دام في القلب حياة، وفي اللسان استغفار.

ثالثًا: التمرد… حين يتأله الهوى في وجه الأمر

أما أقسى مشاهد الخطأ في القرآن، فهو مشهد التمرد الإبليسي.
فحين أمره الله بالسجود لآدم، لم يغفل إبليس عن الأمر، ولم يضعف عن تنفيذه، بل رفضه عن عمدٍ واستكبار:
﴿قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾
وإذا كان الضعف خطيئة الجسد، فإنّ التمرد خطيئة الروح، لأنه لا يرفض الأمر فحسب، بل يرفض الآمر أيضًا.

إبليس لم يعتذر، ولم يندم، ولم يتراجع… بل ازداد استعلاءً، وطلب من الله الإنظار ليُضلّ من استطاع من بني آدم، وكأنه حوّل تمرده إلى مشروع انتقام أبدي. هنا نرى أبشع صور الكبر، حين يُحوّل الهوى إلى مقياس، والموقف الشخصي إلى معيار للحق.

وهذا التمرد لا يختص بإبليس فقط. بل يعيش في النفوس التي تأبى النصيحة، وتستنكر التوجيه، وتدافع عن الباطل بكبرياء الموقف. فكم من العقول ترفض التسليم، لا لأنها لم تفهم، بل لأنها لا تريد أن تعترف بأنها أخطأت!

الإنسان بين السقوط والنهوض

بين غفلة الملائكة، وضعف آدم، وتمرد إبليس، تتشكل أمامنا خريطة نفسية دقيقة لماهية الإنسان، وما يواجهه من تحديات داخلية.
وليس المقصود بهذه النماذج أن تُقرأ كأحداث في ماضٍ بعيد، بل أن تُفهم كرموز لحالات نعيشها كل يوم.

حين نُسرع إلى اتهام الآخرين وسوء الظن، فربما وقعنا في غفلة.
وحين نبرّر لأنفسنا الخطأ بأننا “بشر ونضعف”، فربما علينا أن نتوب كما تاب آدم.
وحين نرفض النقد، ونتمسك برأينا، ونرى أنفسنا فوق القانون والحق، فربما نحتاج أن نسأل أنفسنا: هل فينا من إبليس شيء ونحن لا نشعر؟

خاتمة: الخطأ قدر، لكن الاستكبار خيار

الخطأ – كما يقدمه القرآن – جزء من قدر الإنسان، لكن الطريقة التي يتعامل بها مع خطئه هي ما تصنع الفرق بين الهلاك والنجاة.

فآدم أخطأ، ولكنه تاب، فكان سببًا في عمران الأرض.
وإبليس أخطأ، ولكنه استكبر، فكان سببًا في خرابها.

لذلك، فإنّ الفرق بين آدم وإبليس، ليس في الوقوع في الخطأ، بل في طريقة الخروج منه.

وفي هذا الدرس، تكمن عبقرية القرآن التربوية والنفسية، إذ يجعل من الخطأ نفسه وسيلةً للتربية، ومن السقوط نقطةَ انطلاق، ومن الضعف دافعًا للعودة إلى الله، شرط ألا يُمسَخ الضمير، ولا يُصاب القلب بالكبرياء الذي يُميت التوبة.

زر الذهاب إلى الأعلى