د. فايد محمد سعيد يكتب: سلسلة: حجٌّ لا يعود كما بدأ: القيم التي يجب أن تولد فيك (٣) ضبط اللسان – أول اختبار حقيقي
متابعات يوتوبيا

قد يظن الإنسان أن أصعب ما في الحج هو الزحام، أو التعب، أو طول الطريق، أو حرارة الجو، وضيق المساحات، وكثرة الحركة بين المشاعر. غير أن الحقيقة التي يكتشفها كثير من الحجاج متأخرًا هي أن أصعب اختبار في الحج ليس اختبار الجسد، بل اختبار اللسان.
فكم من إنسان استطاع أن يتحمل التعب، لكنه لم يستطع أن يتحمل كلمة. وكم من حاجٍّ أتم المناسك كلها، لكنه خسر شيئًا من روح الحج بسبب غضب عابر، أو جدال لا معنى له، أو كلمة خرجت في لحظة ضيق فجرحت قلبًا أو آذت إنسانًا. ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا ومباشرًا وحاسمًا حين قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. وكأن هذه الآية تختصر رحلة طويلة من التربية والإصلاح في جملة واحدة؛ فالحج ليس مجرد حركة بالجسد، بل انضباط بالكلمة، وتهذيب للنفس، وتدريب عملي على السمو الأخلاقي في أكثر البيئات ضغطًا واختبارًا.
إن اللسان هو أسرع ما يكشف حقيقة الإنسان. فقد يستطيع المرء أن يخفي كثيرًا من مشاعره، وأن يتظاهر بالهدوء والاتزان، لكن لحظات الضغط تكشف المخزون الحقيقي في الداخل. ففي لحظة غضب ينفلت الكلام، وفي لحظة تعب تظهر القسوة، وفي لحظة زحام يخرج ما استقر في القلب على هيئة كلمات. ولهذا كان ضبط اللسان من أعظم دلائل الإيمان ونضج النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». فالقضية ليست في كثرة الكلام أو قلته، بل في وعي الإنسان بكلماته، ومعرفته متى يتكلم، وكيف يتكلم، ولماذا يتكلم.
وفي الحياة اليومية يستطيع الإنسان أحيانًا أن يبتعد عن المواقف التي تستفزه، أو أن يغلق الباب، أو يؤجل الرد، أو ينسحب من النقاش. أما في الحج، فإن الأمر مختلف تمامًا؛ فأنت في بيئة تضغط على الأعصاب باستمرار، وفي عالم مزدحم تتعدد فيه اللغات والثقافات والطباع، ويختلط فيه التعب الجسدي بالضغط النفسي، حتى يصبح الإنسان معرضًا للانفعال في أي لحظة. هناك زحام لا ينتهي، وتأخير غير متوقع، وحركة متواصلة، وتعب شديد، واختلاف في الطبائع، وكل شيء من حولك يدفعك للكلام والانفعال والاعتراض. لكن النص القرآني يريد أن يربي فيك شيئًا أعمق من مجرد الصبر، يريد أن يعلمك كيف تختار كلماتك حتى وأنت متعب، وكيف تبقى مؤدبًا حتى وأنت منزعج، وكيف تحافظ على إنسانيتك في أكثر اللحظات قسوة.
ولذلك لم تنهَ الآية عن الكلام مطلقًا، وإنما نهت عن ثلاثة مستويات تفسد روح الحج وتفسد معها روح الإنسان. فنهت عن الرفث، وهو كل ما يخرج الإنسان من صفاء الروح إلى استدعاء الشهوة والانشغال بها. ونهت عن الفسوق، وهو كل خروج عن الأدب والطاعة، سواء كان فعلًا كبيرًا أو كلمة صغيرة تؤذي الناس أو تكسر القلوب أو تجرح المشاعر. ثم نهت عن الجدال، وليس المقصود مجرد النقاش أو الحوار، وإنما الجدل الذي يتحول فيه الحديث إلى معركة يريد فيها الإنسان أن ينتصر لنفسه لا للحقيقة. وكم من الناس يدخلون في نقاشات لا بحثًا عن الحق، وإنما رغبة في الغلبة والانتصار وإثبات الذات. والحج يربي الإنسان على أن يتحرر حتى من هذا الشعور الخفي، وأن يتخفف من رغبة النفس في السيطرة والانتصار.
وفي الحج يمر الإنسان بمواقف كثيرة تكشف أخلاقه الحقيقية. قد يزاحمه شخص بلا اعتذار، أو يخطئ عليه آخر بكلمة، أو يرفع أحدهم صوته عليه بلا سبب. وهنا يظهر الامتحان الحقيقي. فليس السؤال: هل تستطيع أن ترد؟ لأن الرد يقدر عليه الجميع. وإنما السؤال الأعمق: هل تستطيع أن ترتقي فوق رغبتك في الرد؟ هل تستطيع أن تنتصر لأخلاقك بدل أن تنتصر لنفسك؟ هناك فرق كبير بين من يربح الموقف، ومن يربح نفسه.
ولهذا كان الصمت أحيانًا عبادة عظيمة. فليس الصمت دائمًا ضعفًا، كما أن الكلام ليس دائمًا قوة. بل قد تكون أعظم عبادة في لحظة معينة أن تسكت، وأن تمنع كلمة كان يمكن أن تؤذي أو تجرح أو تفسد صفاء القلب. وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان”. لأن الكلمة إذا خرجت لم يعد الإنسان يملكها، وقد تبقى آثارها في القلوب سنوات طويلة.
غير أن القضية في حقيقتها أعمق من مجرد ضبط اللسان؛ فاللسان ليس إلا مرآة لما في القلب. ولذلك فإن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يمنع لسانه من الخطأ، بل يحتاج قبل ذلك إلى أن ينظف القلب الذي يخرج منه الكلام. فاللسان لا ينفلت من فراغ، وإنما يفيض بما امتلأ به الداخل. فإذا امتلأ القلب رحمة خرجت الرحمة، وإذا امتلأ غضبًا خرج الأذى، وإذا امتلأ تعظيمًا لله أصبحت الكلمات أكثر هدوءًا ورحمة وأدبًا.
ومن هنا فإن علامة النجاح الحقيقية في الحج ليست فقط في عدد الأشواط، ولا في سرعة الأداء، ولا في كثرة التنقل بين المشاعر، وإنما في أن يعود الإنسان وقد تعلم ألا يؤذي أحدًا بكلمة، وألا يجعل تعبه مبررًا لسوء خلقه، وألا يرفع صوته بغير حق، وألا يدخل في جدال لا فائدة منه. فهناك أناس عادوا من الحج بأجساد متعبة فقط، وهناك أناس عادوا بقلوب مختلفة وأرواح جديدة، وهؤلاء هم الذين فهموا الرسالة الحقيقية للحج.
وفي نهاية كل يوم من أيام الحج، يحتاج الإنسان أن يجلس مع نفسه قليلًا ويسألها بصدق: هل كان لساني اليوم في طاعة الله أم في خدمة نفسي؟ كم كلمة قلتها لله، وكم كلمة قلتها انتصارًا لذاتك وغضبك؟ فهذا السؤال قد يكون من أهم الأسئلة التي يواجه بها الإنسان نفسه في رحلته الإيمانية.
إن الحج الحقيقي ليس الذي ينتهي عند العودة من مكة، بل الذي يبدأ أثره بعد العودة. فإذا استطعت أن تضبط لسانك في الحج، وسط ذلك الضغط الهائل، فأنت قادر بإذن الله أن تضبطه في حياتك كلها، لأنك نجحت في أصعب بيئة اختبار. وعندها يبدأ أثر الحج الحقيقي في الظهور؛ في هدوء كلماتك، وفي رفقك بالناس، وفي قدرتك على تجاوز الجدل والانفعال، وفي وعيك بأن الكلمة مسؤولية وليست مجرد صوت يخرج من الفم.
الحج لا يختبر صبر الإنسان فقط، بل يختبر أخلاقه في لحظات الضغط، وأول ما يُختبر من أخلاقه لسانه. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن يخرج به الحاج من هذه الرحلة المباركة ليس مجرد الذكريات، بل قلب أكثر رحمة، ولسان أكثر وعيًا، وروح تعلمت أن تتكلم بوعي… أو تصمت بقصد.
د فايد سعيد
الأمين العام للمجلس الأوروبي للمراكز الإسلامية










