د علي المبروك أبو قرين يكتب: فلسفة الصحة والطب

في يومٍ تقف فيه الفلسفة لتتأمل العالم ، يقف الطبّ إلى جوارها مثل تلميذ حكيم يعرف أن العلم بلا رؤية أخلاقية ، وبلا قلب مفتوح على الإنسان ، يتحول إلى آلة صمّاء . وفي هذا اليوم تحديدا ، يتخذ الطب موقعه الحقيقي ليس فن العلاج فحسب ، بل فلسفة الوجود وحراسة الحياة ، هناك لحظة لا يسمعها التاريخ ، لحظة دقيقة كنبضة في عروق الكون ، حين يكتشف الإنسان هشاشته ، ويعرف أن جسده ليس مجرد وعاء ، بل عالم كامل يتجاور فيه الخوف والرجاء ، والألم والشفاء ، والضعف والقدرة ، والفناء والبقاء . ومن هذه اللحظة يولد السؤال الفلسفي الأول ما الصحة؟ ، وما معنى أن نكون أصحاء في عالم منهك؟ ، الصحة ليست مجرد غياب المرض ، بل حالة وجودية يتصالح فيها الإنسان مع جسده وذاته ومحيطه ، وقدره . إنها توازن دقيق بين ما نملك وما نفقد ، وبين ما يمكن إصلاحه وما لا يمكن التراجع عنه ، وبين حدود الجسد واتساع النفس ، والطب في صورته العميقة ليس علما للشفاء بل فن لفهم الإنسان ، إنه قراءة لكتاب مكتوب بالحياة نفسها ، كتاب حروفه كريات دم تندفع ، وأنفاس ترتفع ، وعيون تبحث في الأطباء عن الخلاص وعن العدل وعن معنى للنجاة ، ومع تطور الأدلة العلمية والبروتوكولات والتقنيات ، لم تعد الفلسفة في الطب ترفا نظريا ، بل ضرورة أخلاقية . فالعلم الذي يملك القدرة على التدخل في كل خلية ، وفهم كل جين ، وتوقع كل مسار مرضي ، يحتاج إلى سؤال أعلى ماذا نفعل بهذه القوة؟ ، وكيف نصون الإنسان من جموح العلم؟ ، هنا تُولد فلسفة القيمة أن يكون العلاج قائما على النتائج الحقيقية ، وعلى المعنى ، وعلى احترام الزمن الإنساني القصير ، وفلسفة العافية أن لا يكون الطبيب مطفئ حرائق ، بل حارسا للوقاية ، ومهندسا للحياة ، وشريكا في بناء مجتمع واع بمنطق الصحة قبل منطق المرض ، وفلسفة المسؤولية أن تكون المهنة امتدادا للأخلاق ، لا للاستهلاك ، ولا للتجارة ، ولا لصناعة المرض ، لقد مرّ الطب عبر عصور كان فيها قائما على التجريب والتخمين ، وكان الطبيب يسعى خلف أفضل ما يستطيع ، أمّا اليوم ، ومع التراكم المعرفي والرقمنة والذكاء الاصطناعي والمحاكاة السريرية والمناهج الدقيقة ، لم يعد يكفي أن يجتهد الطبيب ، بل أن يعرف ويحلّل ويقيس ويتابع ، ويقي قبل أن يعالج ، الصحة أصبحت فلسفة مستقبل ، لا مجرد خدمة ، والطبيب أصبح مفكرا أخلاقيا بقدر ما هو عالم ، والمريض أصبح شريكا في القرار بقدر ما هو طالب للعلاج ، وفي قلب هذا كله ، يقف سؤال فلسفي واحد كيف نمنح الإنسان حياة تستحق أن تُعاش؟ ، فالطبّ لا يحارب الموت ، فالموت حقيقة لا تندحر ، لكنه يحارب اللامعنى ، ويواجه الألم غير الضروري ، ويمنع الأمراض التي كان يمكن منعها ، ويمنح البشر فرصة لعيش حياة كاملة وكريمة وواعية ومستقرة ، وهكذا،في يوم الفلسفة العالمي ، يمكن للطب أن يقول أنا لست علما فقط ، ولست خدمة ، ولست جهازا أو تقنية ، أنا صوت الإنسان حين يضعف ، وكرامته حين ينكسر ، وحكمته حين يختار طريق العافية ، أنا الفلسفة التي تلمس الجسد ، والحكمة التي تنحني للإنسان ، والعلم الذي يتخلقه القلب .
د.علي المبروك أبوقرين








