مقالات الرأى

د. علي المبروك أبو قرين يكتب: الإعلام الصحي قاطرة

مقالات للرأي

الإعلام الصحي ليس ترفاً معرفياً ولا نشاطاً مكملاً يمكن الاستغناء عنه، هو في جوهره العمود الفقري الذي تستند إليه المنظومات الصحية في وعيها قبل بنيتها، وفي رسالتها قبل أدواتها، لأنه المجال الذي تتحول فيه المعرفة الطبية من نصوص جامدة داخل القاعات والمؤتمرات إلى وعي حيّ يسري في المجتمع، يغيّر السلوك ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وصحته وبين المريض والنظام الصحي وبين الحقيقة والشائعة، فحيثما كان الإعلام الصحي صادقاً وعلمياً ومسؤولاً كانت الصحة أكثر حضوراً في حياة الناس، وكانت الوقاية ثقافة لا مجرد توصية، وكانت الثقة قائمة بين المواطن ومؤسساته، أما حين يغيب هذا الإعلام أو يضعف أو يُختطف، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً وتمتلئ مساحته بالفوضى والمعلومات المغلوطة والخوف والارتباك، وحينها ندفع أثماناً باهظة تقاس بالأموال وبالأرواح والفرص الضائعة. الإعلام الصحي هو اللسان الذي تنطق به العلوم الطبية خارج حدود المختبرات والمستشفيات، وهو الجسر الذي يربط البحث العلمي بالواقع اليومي للناس، وهو المرآة التي تعكس حقيقة الأداء الصحي بكل شفافية، فيبرز النجاحات ليحتذى بها ويكشف القصور ليُعالج، وهو في الوقت ذاته الحارس الذي يقف في وجه التضليل، يفرق بين المعلومة والدعاية، وبين النصيحة المبنية على الدليل والوهم المبني على الانطباع، ولذلك فإن قوته تكمن في نشر المعرفة وفي حماية المجتمع من المعرفة الزائفة التي قد تكون أخطر من الجهل نفسه، لأن الجهل يمكن تعليمه أما التضليل فيحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء للثقة. وفي عمق دوره، يشكّل الإعلام الصحي ركيزة أساسية للصحة الوقائية، تلك التي تُعد خط الدفاع الأول لأي نظام صحي رشيد، فكل رسالة توعوية صادقة عن التغذية السليمة أو النشاط البدني أو الوقاية من الأمراض المعدية أو الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة هي في حقيقتها تدخل صحي واسع النطاق يسبق المرض ويمنع حدوثه أو يحدّ من انتشاره، وهو بذلك يخفف العبء عن المستشفيات ويوفر الموارد ويرفع جودة الحياة، ومن هنا يصبح الإعلام الصحي شريكاً استراتيجياً في التخطيط الصحي ليس مجرد ناقل للأخبار، لأنه يسهم في توجيه السلوك العام، ويخلق ثقافة صحية جماعية تجعل المجتمع نفسه جزءاً من الحل ليس مجرد متلق للخدمة. كما أن الإعلام الصحي يؤدي دوراً محورياً في تكوين الصورة الذهنية عن المهن الطبية، وعن الأطباء والكوادر الصحية، وعن المؤسسات العلاجية والتعليمية، فهو الذي يشرح للناس تعقيد العمل الطبي ويقربهم من فهمه، وهو الذي يعزز احترام هذه المهن حين يُقدمها بصدق، وهو الذي يصحح المفاهيم الخاطئة التي قد تُسيء إلى العلاقة بين الطبيب والمريض، ولذلك فإن غيابه أو انحرافه قد يؤدي إلى فجوة ثقة خطيرة تُضعف النظام الصحي من داخله، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي منظومة صحية. ولأن الإعلام الصحي يتعامل مع حياة الناس مباشرة، فإن مسؤوليته الأخلاقية مضاعفة، فهو ليس مساحة للإثارة أو السبق الصحفي على حساب الدقة، وليس منصة لترويج منتجات أو خدمات تحت غطاء التوعية، بل هو ميدان للصدق العلمي والانضباط المهني، حيث يجب أن تُبنى كل معلومة على دليل، وأن تُعرض كل قضية بتوازن، وأن يُراعى فيها الأثر النفسي والاجتماعي على الجمهور، فالكلمة هنا قد تطمئن مريضاً أو تُقلقه، وقد تدفع إنساناً للفحص المبكر أو تُثنيه، وقد تنقذ حياة أو تُعرضها للخطر، ولذلك فإن الإعلام الصحي الحقيقي هو الذي يضع الإنسان في مركز رسالته، لا الأرقام ولا العناوين. ومن زاوية أوسع فإن الإعلام الصحي يُعد أحد أهم أدوات التنمية الصحية الشاملة، لأنه يواكب السياسات الصحية ويشرحها، ويشارك في إنجاح البرامج الوطنية، ويواكب المؤتمرات العلمية والمهنية، وينقل خلاصاتها إلى المجتمع بلغة مفهومة، فيجعل من التقدم العلمي قوة مجتمعية لا نخبوية، وهو بذلك يختصر المسافة بين صانع القرار والمواطن، وبين الباحث والمريض، وبين النظرية والتطبيق، ليصبح المجتمع أكثر وعياً وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع قضاياه الصحية. إن وصف الإعلام الصحي بأنه قاطرة ليس مبالغة مني، فهو توصيف دقيق لأنه القوة الدافعة التي تجر خلفها بقية مكونات النظام الصحي نحو مزيد من الوعي والكفاءة والشفافية، فإذا كانت السياسات هي الإطار والخدمات هي الأداة، فإن الإعلام الصحي هو الروح التي تمنح هذا كله معنى واتجاهاً، ومن دونه قد نملك أفضل المستشفيات وأحدث الأجهزة وأكفأ الكوادر، لكننا نفتقد المجتمع الواعي القادر على الاستفادة منها، وهنا يكمن الخلل الحقيقي. إن بناء إعلام صحي صادق وقوي ليس مسؤولية الإعلاميين وحدهم إنما هو مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الصحية والأكاديمية وصناع القرار، حيث يجب أن تتكامل الجهود لتوفير المعلومات الدقيقة في وقتها، وتدريب كوادر متخصصة تجمع بين الفهم الطبي والمهارة الإعلامية، ووضع أطر أخلاقية ومهنية تحكم هذا المجال، لأن الاستثمار في الإعلام الصحي هو في حقيقته استثمار في صحة الإنسان وكرامته ومستقبله، وهو الطريق الأذكى والأكثر استدامة نحو مجتمع معافى يعرف كيف يحمي نفسه قبل أن يبحث عن من يعالجه.

زر الذهاب إلى الأعلى