
في صباحٍ بارد من شتاء فاس، يعبر مسافرٌ زقاقًا ضيقًا تتدلّى فوقه نوافذ خشبية عتيقة، فتسبقه إلى الطريق رائحة خبز خرج لتوّه من فرن صغير. وبعد أيام، يجد الرائحة نفسها في حيّ قديم من القاهرة، ثم يسمع في دمشق نداء بائع يشقّ السوق، ويرفع بصره في صنعاء إلى بابٍ مرتفع نُقشت حوافه بعناية، قبل أن يقف في جدة القديمة تحت رواشين تحفظ للبيوت ظلّها وخصوصيتها.
قد تبدو هذه المشاهد مجرد مصادفات تجمعها الذاكرة، لكن شيئًا أعمق يتشكل بينها. فالمدن ليست متشابهة، والوجوه ليست واحدة، واللهجات تختلف كما تختلف الألوان والملامح، ومع ذلك يبقى إحساس خفي يرافق المسافر، كأنه لا يغادر مدنًا متباعدة، بل ينتقل بين غرف بيتٍ واسع، لكل غرفة شخصيتها، لكنها جميعًا تنتمي إلى العنوان نفسه.
كيف يمكن لمدن تفصل بينها آلاف الكيلومترات أن تبدو، أحيانًا، وكأنها تحفظ الذاكرة ذاتها؟
لعل الإجابة لا تكمن في الجغرافيا، بل في الطريق. فالتراث العربي المشترك لم يولد لأن البلاد العربية متشابهة، وإنما لأن الناس ظلوا، لقرون طويلة، يتحركون بينها بلا انقطاع. كانت القوافل تعبر الصحارى، والسفن تربط موانئ البحر الأحمر والمتوسط والخليج، ويجمع الحج أناسًا من أقاليم بعيدة، بينما ينتقل العلماء بين بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وقرطبة، ويحمل الحرفيون معهم أسرار صناعاتهم، ويعود التجار بما هو أثمن من البضائع؛ يعودون بعادات جديدة، وكلمات جديدة، وأفكار جديدة.
ومن بين كل ما سافر، بقيت اللغة العربية أكثر المسافرين وفاءً. فقد كانت الوعاء الذي حفظ الشعر، وسجّل العلوم، ونقل الرسائل، وجمع الأمثال التي اختزلت خبرة الناس في كلمات قليلة. ورغم اختلاف اللهجات، بقيت الفصحى مساحة يلتقي عندها الجميع، حتى صار من الممكن أن يقرأ عالم في المغرب كتابًا ألّفه عالم في المشرق، أو يحفظ طفل في عُمان قصيدة كُتبت في العراق قبل مئات السنين.
ومع اللغة، كانت الحكايات تشق طريقها بهدوء. فجحا، مثلًا، لا يعرف وطنًا واحدًا؛ يظهر في مصر كما يظهر في الشام والعراق والمغرب، يبدّل المكان واللهجة، لكنه يحتفظ بابتسامته الساخرة التي تكشف الحماقة بحكمة بسيطة. وكذلك فعلت «ألف ليلة وليلة»، التي جمعت مدنًا وأسواقًا وشخصيات من عوالم مختلفة، حتى غدت كتابًا يصعب نسبته إلى مدينة واحدة، لأنه ثمرة رحلة طويلة بين الثقافات.
وحين تصمت الحكاية، تبدأ الموسيقى في الكلام. يكفي أن ينساب صوت العود حتى يشعر المستمع أنه يعرفه، مهما اختلف البلد الذي يعزف فيه. فالمقامات العربية، على تنوع مدارسها، خلقت لغة موسيقية مشتركة، تسمح للحن أن ينتقل من بغداد إلى دمشق، ومن القاهرة إلى الرباط، دون أن يفقد روحه. وما تغير لم يكن الأصل، بل طريقة الأداء، كما يحدث للنهر حين يعبر أكثر من أرض ويبقى نهرًا واحدًا.
والأمر نفسه يمكن رؤيته في العمارة. فالمشربيات في القاهرة، والرياض في المغرب، والرواشين في جدة ليست أشكالًا متطابقة، لكنها تنتمي إلى فكرة واحدة؛ بيت يحترم المناخ، ويمنح أهله الخصوصية، ويجعل الفناء الداخلي قلبًا للحياة اليومية. لقد اختلفت المواد التي بُنيت بها البيوت، لكن الفلسفة التي وقفت خلفها بقيت متقاربة، لأنها انتقلت مع البنائين والحرفيين كما انتقلت التجارة واللغة.
وفي الأسواق القديمة، تبدو هذه الرحلة أوضح من أي مكان آخر. ففي خان الخليلي أو سوق الحميدية، لا تُباع السلع وحدها، بل تُتبادل القصص أيضًا. يقف العطار إلى جوار صانع النحاس، ويجاور الحكواتي بائع التوابل، فتتحول السوق إلى مساحة تعبر فيها الأفكار مع الناس. وربما لهذا السبب تبدو رائحة القهوة العربية مألوفة في أكثر من مدينة، ويظل الخبز رمزًا للضيافة مهما اختلف شكله أو اسمه، لأن ما انتقل بين البيوت لم يكن الوصفات وحدها، بل قيمة المشاركة نفسها.
إن التراث العربي المشترك ليس لوحة متطابقة الألوان، بل فسيفساء واسعة تحتفظ كل قطعة فيها بشكلها الخاص، لكنها لا تكتمل إلا بجوار القطع الأخرى. فقوة هذا التراث لم تأتِ من إلغاء الاختلاف، وإنما من قدرته على تحويله إلى لغة ثقافية واحدة، تسمح لكل مدينة أن تروي حكايتها دون أن تنقطع عن جاراتها.
ولذلك، فإن الحفاظ على هذا التراث لا يعني تجميده في المتاحف أو الاكتفاء بالاحتفاء به في المناسبات، بل يعني أن يجد مكانه في الكتب التي نكتبها، والمسرح الذي نقدمه، والأفلام التي نصنعها، والموسيقى التي نؤلفها، والفنون الرقمية التي يخاطب بها الجيل الجديد عالمه. فالتراث، في النهاية، ليس ما ورثناه من الماضي فحسب، بل ما نختار أن نورثه للمستقبل. وإذا كانت الطرق القديمة قد جمعت المدن يومًا، فإن مسؤولية جمعها اليوم تقع على الثقافة، لأنها الطريق الوحيد الذي لا تغلقه الحدود.










