مقالات الرأى

د. فايد محمد سعيد يكتب: مريم عليها السلام: حين يتحول الاتهام إلى براءة، والضعف إلى معجزة، والوحدة إلى رعاية ربانية

مقالات للرأي

من سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل
أ. د. فايد محمد سعيد

١. بداية القصة: الطهر الذي اصطفاه الله

قصة مريم عليها السلام ليست قصة امرأة عادية…

إنها قصة اصطفاءين:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾

اصطفاء للطهارة،

واصطفاء للرسالة،

واصطفاء للمحنة التي ترتفع بالإنسان فوق قدرة البشر.

كانت مريم فتاة تعيش في محراب العبادة،

قلبها نقي،

روحها معلّقة بالله،

حتى إنه كان يأتيها الرزق بلا سبب:

﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾

وهذا كان مقدّمة لمعجزة أكبر:

إن الرزق بغير سبب اليوم…

سيكون الولد بغير سبب غدًا.

٢. لحظة النداء: “يا مريم إن الله يبشرك”

جاءها جبريل في صورة بشر،

فدخل عليها المحراب،

فارتعبت وقالت:

﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ﴾

لم تكن تتوقع زيارة،

ولا تخطر ببالها بشارة.

فقال لها جبريل:

﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾

ثم جاءت الجملة التي تهزّ قلب التاريخ:

﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾

غلام؟!

كيف؟

ومريم تعرف نفسها جيدًا:

﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾

هذا هو المستحيل الذي لا خلاف فيه:

لا زوج،

لا زواج،

لا علاقة،

لا مقدمات.

لكن جبريل لم يأت ليشرح،

بل ليعلن:

﴿كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾

ما هو مستحيل عند البشر…

هو هيّن عند الله.

٣. المعجزة: “فنفخنا فيها من روحنا”

لا حمل،

ولا علاقة،

ولا مقدمات بيولوجية.

إنما:

﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾

كانت الروح هي البداية،

وكانت الإرادة الإلهية هي الخيط الأول الذي ينسج حياة نبيّ.

إنها لحظة ميلاد الحياة من الغيب.

ليس من الجسد وحده،

بل من أمر الله:

﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

وهكذا بدأ عيسى عليه السلام:

كلمة من الله،

وروحًا منه.

٤. الألم: بداية المخاض… وبداية الرحمة

خرجت مريم من محرابها إلى مكان بعيد،

بعيد من الخوف،

بعيد من الناس،

بعيد من الاتهام.

فجاءها المخاض — وحدها —

لا أمّ، لا أخت، لا قابلة، لا صديقة.

وخاطبها الألم والخوف معًا،

فقالت كلمات تمزق القلب:

﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾
﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾

لم تكن تتمنى الموت كفرًا بالنعم،

بل وجعًا من ثقل المحنة:

ماذا ستقول للناس؟

ماذا سيقولون عنها؟

كيف تحمل طفلًا بلا زوج؟

كيف تفسر المستحيل للقلوب التي لا تؤمن بالغيب؟

لكن رحمة الله سبقت الألم،

فجاء الصوت:

﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾

كما قال لأم موسى:

“لا تخافي ولا تحزني”

وكأن الله يقول لها:

يا مريم، ما دام الأمر منك… فالألم،

وما دام الأمر مني… فالطمأنينة.

٥. الجذع اليابس… والشقشقة الإلهية

وسط المخاض، وسط الوحدة،

أمرها الله أن تهز جذع النخلة:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾

يا الله…

امرأة في المخاض،

مرهقة،

منهكة،

تُطلب منها مستحيلًا:

هز جذع نخلة!

لكن القرآن يعلمنا:

ابذلي جهداً… ولو كان رمزيًا.

والرزق يأتي من السماء.

فتساقط عليها تمرًا رطبًا جنيًّا.

معجزة في مكان لا زرع فيه ولا نخيل.

معجزة في وقت الحاجة.

معجزة تسبق الاتهام.

٦. الصمت: أعجب وسائل الدفاع

بعد الولادة، يأتي الأمر الغريب:

﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾

أي:

إذا اتهمك الناس…

فلا تردي.

دعي الكلام للمولود.

كيف يدافع طفل حديث الولادة عن أمه؟

لكن هذا هو الحلّ المستحيل.

ومن قلب الاتهام،

تأتي المفاجأة:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ﴾

طفلٌ يتكلم!

حاملٌ رسالة!

ينطق بالحقيقة التي يعجز عنها الكبار.

لقد تحوّل الاتهام إلى معجزة،

والضعف إلى قوة،

والصمت إلى بيان.

٧. عيسى عليه السلام: معجزة تبدأ قبل المهد

أول ما ينطق به عيسى عليه السلام يضع النقاط على الحروف،

ويعيد تعريف ما يمكن وما لا يمكن في عالم الأسباب:

﴿آتانِيَ الْكِتَابَ﴾
﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾

ها هو يبرئ أمه،

ويعلن هويته،

ويثبت للعالم أن هذا الولد الذي وُلِد بغير أب ليس نتاج خطيئة،

بل آية من آيات الله.

ثم يتوالى بيانه المعجز:

﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾

كأن أول ما يعلنه بعد نبوته

هو مكانة الأم…

مريم التي تحمّلت الاتهام والصمت والخوف والوحدة.

إنه لا يبرئها فحسب،

بل يُعلن برّه بها،

وكأن الله أراد أن يقول للعالم كلّه:

هذه المرأة ليست مدانة… بل مُكرّمة.

ليست مذنبة… بل مصطفاة.

وليس حملها موضع شك… بل موضع معجزة.

ثم يختم الطفل النبيُّ خطابه الأول:

﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾

سلام يبدأ بالميلاد،

ويمتد إلى الموت،

ويصل إلى البعث.

سلامٌ لا تصنعه الأرض،

ولا تمنحه المجتمعات،

بل يُنزل من السماء على قلب أمٍّ كانت وحدها…

فأصبحت قصتها نورًا بين الناس.

٨. لماذا اختار الله هذا الطريق العجيب؟

لئن سأل سائل:

لماذا لم يجعل الله لمريم زوجًا؟

ولماذا لم يجعلها تنطق فتدافع عن نفسها؟

ولماذا كان الطريق الأكثر ألمًا هو الطريق الوحيد؟

فالجواب يكمن في سنّة الله:

إن المعجزة لا تكون معجزة إلا إذا جاءت من حيث لا تتوقع العقول.

أراد الله أن تكون براءة مريم إلهية لا بشرية.

لو تكلمت هي… لقالوا دفاعًا.

ولو دافع عنها رجل… لقالوا تواطؤًا.

ولو جاءت بشهود… لقالوا كذبًا.

فجعل الله الشاهد طفلًا في المهد،

لا يعرف كذبًا،

ولا يتقن حيلة،

ولا يتعلم كلامًا.

 

أعظم شهادة…

هي شهادة الصدق الذي لم يتلوث.

وأعظم دفاع…

هو دفاع السماء.

٩. مريم… بين ضعف الإنسان وقوة السماء

قصة مريم هي درس للإنسان المعاصر الذي يعيش بين الضغوط، الاتهامات، الأحكام، النظرات، والكلام الذي قد يقتل الروح.

تعلمنا مريم:

أن الضعف ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
أن الوحدة ليست انقطاعًا، بل اتصالًا بالله.
أن الألم ليس عقوبة، بل مقدمة للفرج.
أن أعظم لحظات العطاء تأتي بعد أعظم لحظات الانكسار.
أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلمات كلّها.

حين قالت مريم:

﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾

لم تكن ترفض قضاء الله،

بل كانت تعترف بضعف الإنسان أمام محنة لا تُحتمل.

لكن الله — الذي كلّفها — تكفّل بها.

لم يتركها تواجه الناس وحدها،

ولا تركها تبكي وحدها،

ولا تركها تتألم وحدها.

جاءها رزق من السماء،

وجاءها الماء من تحتها،

وجاءها الكلام من ابنها،

وجاءها الدفاع من الله.

١٠. المعنى العميق: حين يكتب الله المعجزة على يد امرأة

قصة مريم ليست حدثًا عابرًا،

إنها بيان قرآني أن المرأة يمكن أن تحمل في ذاتها معجزة الأمة.

ليس لأنها أمّ عيسى،

بل لأنها نموذج للطهر والصبر والتوكّل والثبات.

مريم امرأة جعل الله منها:

بداية نبيّ
آية للعالمين
مثالًا للإيمان الخالص
وقصة تُروى في القرآن إلى يوم الدين

ليقول للبشرية:

إن الله يرفع من يشاء،

بلا نسب،

ولا قبيلة،

ولا سلطة،

ولا مال…

بل يرفع بالطهر والقرب والدعاء.

١١. ماذا تقول مريم للإنسان اليوم؟

للقلب الذي يضيق:

اصبر… فالله يرى.

للنفس التي تخاف:

لا تخافي… فالله معك.

لمن يتعرض لظلم الناس:

اترك الدفاع لله… فهو أعلم بما في الصدور.

لمن يحمل أعباء فوق طاقته:

المعجزة تبدأ حين تنتهي قدرتك.

لمن فقد الصديق والناصر:

من كان الله معه… فما فقد شيئًا.

لمن يرى الطريق مظلمًا:

من رحم الصحراء خرج النور.

١٢. خاتمة المقال: مريم… الصوت الذي جاء من السماء

حين نعيد النظر إلى قصة مريم، نراها ليست قصة حمل، ولا قصة دفاع، ولا قصة ألم،

بل هي قصة يقين:

يقين امرأة اصطفاها الله.
يقين أم تحمل معجزة بلا زوج.
يقين صمت يبرّئه كلام طفل.
يقين أن الله لا يترك عبده ولو اجتمعت الدنيا عليه.
يقين أن المستحيل لا وجود له حين تكون السماء هي التي تتدخل.

وهكذا يصبح عنوان المقال:

حين يتحول الاتهام إلى براءة،

والضعف إلى معجزة،

والوحدة إلى رعاية ربانية.

وهكذا تكتمل قصة مريم في سلسلة:

عندما يكون الحلّ هو المستحيل

زر الذهاب إلى الأعلى